ذكريات من إيطاليا 2

ذكريات من إيطاليا 2

وكان المنظر جميلا رائعًا، فتحت أقدامنا (نابولي) وضواحيها تطل على بحر يغيب في الأفق ويعلوها طبقات اللافا والرماد، وقد بقيت عارية في الجزء المباشر للبركان، وغطتها الكروم في الجزء الذي يقرب من المساكن والمزارع، وإذا أولينا المدينة والبحر ظهورنا، ظهرت أمامنا فوهة البركان الحالية، إذ أننا نعلو فوهته القديمة

بقلم: زكي محمد حسن

(عضو بعثة وزارة المعارف)


سيراكيوز – نابلي – بركان فيزوف – يومبي – روما

ولدينا في مصر مثل هذه الحفريات الأثرية: أهمها ما بدأها المرحوم “علي بهجت بك” للكشف عن الفسطاط (العاصمة العربية الأولى للديار المصرية)، ولا تزال دار الآثار العربية تواصل أعمال الحفر بإشراف مديرها الحالي المسيو  (فييت)، ومنها أيضًا ما تقوم به جماعة (The Egyptian Exploration Fund) لكشف تل العمارنة عاصمة مصر في عهد الملك اخناتون.

وأطلال (بومبي) – رغم ما تبعثه في النفوس من رهبة وما تثيره من ذكريات التاريخ، واحترام لجلال الموت وعظمة الحياة التي طغى عليها البركان فوضع لنغماتها حدًّا- أقول رغم كل ذلك فإنها تشهد بالمهارة والدقة والمثابرة لمن قام من العلماء بهذه الحفريات، فان السائح يسير في شوارع كاملة بين صفوف من المنازل، كثير منها باقية أكثر معالمه، حتى النقوش على جدران المنازل باقٍ أكثرها يشهد بعظمة الرومان وعلى مدنيتهم، فتارة يرى السائح سوق المدينة وحماماتها، وأخرى أقواس النصر المختلفة، وأحيانًا منازل لم تعبث بها يد الزمن فكأنها تصلح للسكنى، وكأن القوم يريدون أن تبقى -مهما حدث- ذكرى حية، فتراهم في حجرة صغيرة أحاطوا جانبيها بالزجاج وقد تركوا بقايا أسرة دهمها البركان فجمعها في. الموت، وكأن عظامها ترغم السائح أن يرفع الرأس ليرى (فيزوف) ويعجب: هل خمدت ثائرته، أم لا زال يضمر للإنسانية ما يضمر؟

انتهت زيارتي من (بومبي)، وقفلت راجعًا في القطار، ولكنى تركته في محطة عند منتصف المسافة إلى (نابولي)، ومن هذه المحطة يبدأ الترام الذى يصعد على سفوح المرتفعات حتى يصل إلى قمة البركان، وقد بدا لي ثمن التذكرة باهظًا للذهاب والإياب وقدره نحو سبعين قرشا، ولكنى وجدت -بعد ذلك- أن المسافة طويلة والرحلة غاية في الإبداع، إذ بدأ الترام يصعد بنا سفوح المرتفعات في منتصف الساعة الثالثة، وظلّ يدور بنا حولها مرتفعًا بنا شيئًا فشيئًا، وعلى جانبينا مسافات ممتدة من الكروم تغطي الجزء الأدنى من سفوح هذه المرتفعات، وفي منتصف المسافة تركنا هذا الترام إلى غيره من نوع آخر (Funicular) ظل يصعد بنا صعودًا أفقيًا مباشرًا، حتى وصلنا نهاية الرحلة في منتصف الساعة الرابعة، وكان المنظر جميلا رائعًا، فتحت أقدامنا (نابولي) وضواحيها تطل على بحر يغيب في الأفق ويعلوها طبقات اللافا والرماد، وقد بقيت عارية في الجزء المباشر للبركان، وغطتها الكروم في الجزء الذي يقرب من المساكن والمزارع، وإذا أولينا المدينة والبحر ظهورنا، ظهرت أمامنا فوهة البركان الحالية، إذ أننا نعلو فوهته القديمة، وهي أكثر ارتفاعًا من الفوهة الحالية التي تخرج منها سحب من الدخان تتوّج البركان وتزيده عظمة على عظمة، والقوم لا يقفون عند هذا الحد، بل هناك أدلاء مخصوصون يستطيعون أن يصطحبوا من يريد من السواح فيهبطوا به من الناحية الأخرى إلى موضع أقرب إلى الفوهة الحالية، كل ذلك لقاء نحو خمسة وعشرين قرشًا، فدفعني حب الاستطلاع إلى الإقدام على ذلك، ولكني لم أستطع أن أواصل السير إلى النهاية، لأن رائحة المقذوفات البركانية كادت تخنقني تمامًا، فطلبت الرجوع، بينما واصل السير مع دليل آخر شاب ألماني، غير أنه لم يستطع إلا أن يرجع بعد خطوات أخرى.

وكنا في رحلتنا هذه ثمانية: شابين ألمانيين، وإنجليزي، وسيدتين إنجليزيتين، وهولندي، وأنا، وكان الجو رطبًا باردًا، ولا غرابة في ذلك، إذ كنا على بعد ١٢٠٠ متر من سطح البحر.

وهكذا انتهت زيارتي لـ (نابولي) وتركتها إلى (روما): فكان القطار ينهب بنا الأرض بين جبال عالية، وسهول تكسوها الخضرة والكروم، ونُفق كثيرة يجتازها بين حين وآخر ليعبر هذه الجبال، وذكرني منظر الريف الإيطالي بقرانا في مصر وما عليه فلاحونا من بوس وشقاء، ولم يسعني حين ذلك إلا أن أذكر ما عليه القرى في انجلترا وفرنسا وسويسرا من جمال يحبب إلى المرء ترك المدن وضوضائها.

وأخيرًا وصلنا (روما Caput Mundi) أو (عاصمة الدنيا) -كما كان يسميها الرومان- وهي وإن تكن فقدت مركزها هذا من وجوه عدة، إلا أنها لا تزال -بحق- سيدة عواصم العالم بآثارها القديمة، بل إنها تجمع عاهلين: عاهل الطليان، وعاهل المسيحية، غير أننا إذا استثنينا غناها بكنوزها الأثرية، فإن (روما) لا تساوى عواصم الدول الكبرى جمالًا وتنسيقًا، ولذا منذ أن دخلتها جيوش الملك -بعد تمام الوحدة الايطالية- سنة ١٨٧٠ كان همّ أولي الأمر فيها القيام بالإصلاحات اللازمة لإبلاغها تلك المرتبة، ولكن قامت دون ذلك صعوبات، أهمها: قلة المال، وازدحام المدينة بالآثار القديمة والأطلال البالية ازدحامًا يتعارض مع المدنية الحديثة وتنظيم العواصم الكبرى، وخاصة إذا لم يجرؤ القوم على تضحية بعض هذه الأطلال في سبيل تنظيم المدينة وتنسيقها.

وقد لجأ رجال (روما) إلى البارون (هوسمان Haussman) -الذي كان محافظًا المقاطعة (السين) بفرنسا، واشتهر بأعماله العظيمة في سبيل تنظيم (باريس) وتجميلها- في أواخر القرن الماضي، فأفتى بأن يتركوا (روما) القديمة، وأن يبنوا جانبها مدينة جديدة، فلم يلق أذنا صاغية، ولكن القرائن تدل على أنهم يعودون الآن إلى رأيه شيئًا فشيئًا.

أما (موسوليني) فقد اهتم بذلك، وكون -منذ سنتين- لجنة محصت المسألة مليًّا، ورأت القيام بإصلاحات عدة، مع المحافظة -قدر المستطاع- على الآثار القديمة، ووافق الرئيس على ذلك، وبدأت الاصلاحات حول (الكابيتول)، حيث هدموا بعض الطرق والكنائس والبيوت القديمة، فنادى كثير من الناس -وأكثرهم من الأجانب- بالويل والثبور، مدعين أن ذلك سوف يقضى على (روما) ولونها المحلي وخواصها الفنية، فرد عليهم من منصة مجلس الشيوخ مدير سابق للفنون الجميلة، وندد بأولئك الذين يريدون أن يتخذوا الفن والجمال حجة لإبقاء الأبنية الحقيرة، والجدران القذرة، والأحواش الضيقة، وغير ذلك، وتداخل (موسوليني) نفسه في المناقشة، فقال: “إن الآثار العظيمة مكفول احترامها، وإنما المهم أن يفرق بينها وبين الخرائب والأطلال مما يدعي البعض أنه لازم ليبقى لـ (روما) لونها المحلي …”، وقال في ختام خطبته: “كل هذه الأطلال والخرائب القذرة سندفع بها إلى صاحب الجلالة المِعوَل، فيقوّض أركانها باسم جمال العاصمة وشئونها الصحية”.

ولا ريب أن هذه الخطة المثلى ستوسع المجال لظهور الآثار الباقية، وستريل عن (روما) تلك المسحة الشرقية التي يشعر بها السائح في كثير من أحيائها.

وأكبر ما أعجبني من آثار (روما) ميدان القديس بطرس، فهو عظيم بيضاوي الشكل، تقوم في وسطه مسلة مصرية كبيرة، وتطل عليه كنيسة القديس بطرس ببهوها الفخم، وإلى يمينه قصر (الفاتيكان) مقر الباباوات، وداخل هذه الكنيسة غاية في الابداع، وسقفها مدهش في دقة الصنع والنقش، بناها الإمبراطور قسطنطين، وهي الآن أفخم معابد العالم.

وفي الفاتيكان متحف يحوي أعظم التحف الأثرية، وأكثر ما أبدعه رجال الفن منذ العصور القديمة، وبينها هدايا إلى الباباوات من مشارق الأرض ومغاربها، وقد لفت نظري منها إناء كبير من المرمر، كتب تحته بالإيطالية: (Dono de Mehemet Ali vicere dell’Egitto a Pis IX) ومعناها هدية من محمد علي والى مصر إلى بيوس التاسع، ذلك عدا نحو ثلاثين من شواهد القبور الاسلامية عليها نقوش بالكوفية، وبه قسم للآثار المصرية القديمة، غني بكنوزه عظيم في تنسيقه.

و (روما) تفوق العالم كله بكنائسها الجميلة، وفي وسطها تقوم أطلال الأبنية الرومانية القديمة، كـ (الكولسيوم) و(الفورورومانو) مركز الحياة الرومانية ومكان الاجتماعات والثورات والحفلات، ومن مميزاتها أيضًا: أقواس النصر العديدة التي كانت تقام لأبطال الرومان بعد انتصاراتهم الباهرة، و(الكابيتول) الذي كان يجتمع فيه مجلس (روما) البلدي، وقد بني في القرن الرابع عشر، وسلالمه من عمل (ميشيل أنجلو)، وهناك أيضًا حدائق (بورغيزي) ومتحفها الجميل، وبحيرتها العظيمة، وفي ميدان العامة (Pizza del Popolo) مسلة مصرية من الجرانيت ارتفاعها أربعة وعشرون مترًا، تقلها (أوغسطوس) إلى (روما) بعد معركة (أزيو).

وهناك ايضا (البانتيون)، وقصر (الكورينال) الذي بني في القرن السادس عشر ليكون مقرًا للباباوات، ثم ميدان العمود -نسبة إلى العمود الذي أقيم فيه ذكرى لـ (ماركوس أوربليوس) بعد انتصاره على الجرمان، وقصر القديس (أنجلو) الذى بناه الإمبراطور (أدريان) ليكون مدفنا له ولخلفائه.

وفي ميدان (فينيسيا) قصر الرئاسة، حيث يطل (موسوليني) من شرفة غرفته على جيوش (الفاشيست)، وفيه أيضًا هيكل النصر وقبر الجندي المجهول.

هذا و(روما) تختلف كثيرًا عن عواصم أوربا الأخرى، ولعل أهم ما يلفت النظر خلوها من ترام في باطن الأرض كما هي الحال في: لندن، وباريس، وبرلين مثلًا، ومن ثم لاحظت ازدحام (الترام) و(الأوتوبيس) دائمًا، فضلًا عن ازدحام الشوارع الرئيسية.

ومن الظواهر التي شاهدتها في إيطاليا كلها: قلة النساء في الطرقات ففي (روما) نفسها نسبة النساء إلى مجموع المارة أقل بكثير منه في (لندن) و(باريس)، ولعل ذلك راجع إلى أن المرأة الايطالية لا تزال أكثر تحفظًا من زميلاتها: الإنجليزية، أو الفرنسية أو الألمانية ومن ثم كانت أكثرهن لزومًا لبيتها، وأقلهن اختلاطًا بالحياة العامة.

مرت الأيام سراعًا، ولم يكن كل ما أراه ليخفف من حنيني إلى باريس، فسرني أن حان وقت الرحيل إليها، وذكرت قول شوقي من قصيدة له فيها:


زَعَمُوكِ دَارَ خَلَاعَةٍ ومَجَانَةٍ
إن كُنتِ للشَّهَوَاتِ رِيًّا، فالعُلا
والعِلْمُ في شَرْقِ البِلَادِ وغَرْبِهَا
العَصْرُ أَنْتِ جَمَالُهُ وجَلَالُهُ


ودَعَارةٍ! يَا إِفْكَ ما زَعَمُوكِ
شَهَوَتُهُنّ مَرْوِيَاتٌ فِيكِ
مَا حَجَّ طَالِبُهُ سِوَى نَادِيكِ
والرُّكْنُ مِنْ بُنْيَانِهِ المَسْمُوكِ

ذكريات من إيطاليا (الجزء الأول)

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات