والتفتت ذات اليسار لترى خيول السباق . والسيارات . والعربات . فلم تجد إلا “زريبة” فيها جحش “أزعر” وجمل نحيل ضئيل، وجدي وبعض الماعز والخراف … تم جلست إلى مائدة الطعام لتناول طعام الغداء عند “صفار الشمس” مع “الحجة مسعدة” حماتها …

هذا الذي يسمونه “قطار السكة الحديدية” أتيح لأبي الشمقمق أن يركبه فيرى من كوّته المفتوحة في جنبه كيف يطوي الأرض في مثل لمح البصر فلا تكاد العين تنظر الأمام حتي يصير خلفًا، ولا تكاد النفس تعد الخطوة الواحدة قبل أن تكون ألفًا.
وقطار السكة الحديدية دابة من دواب الأرض صنعها الإنسان من خشب وحديد وغراء وصنع لها جوفًا ينحبس فيه البخار فيدفعها كالطير والطير أثقل، أو كالبرق والبرق أبطأ، ولها سراط لا تخرج عنه فشأنها كشأن الناس على السراط الذي سيمتد يوم القيامة فوق متن جهنم ثم يقال لهم: “جوزوه فهو طريقكم إلى الجنة ولا طريق إليها سواه”. والسراط جسر يحدق به الهلاك من ثلاث جهاته. فتحته الهاوية وإلى جانبه من الشرق سَقَر وإلى جانبه من ناحية الغرب السعير، والسلامة متصلة بظهره فقط، فموقعه من بر السلامة كموقع الجزيرة من الأرض اليابسة…

ولست أخاف أن يلقاني الأستاذ صادق أفندي عنبر فيقول لي: “يا مفسد اللغة، من أذنك أن تسمي قطار السكة الحديدية دابة؟ وأين ذهب عنك اسمه الذي اختاره أهل الأدب وتواضع عليه علماء الضاد في هذا العصر؟ حذار أن تعود إلى مثل هذا وإياك أن تعدل عن “قطارنا” إلى “دابتك”، فقد رأينا العرب تسمي الجمال المقرونة إلى بعضها وراء وراء قطاراً، أرأيت سبحة الصالحين كيف تكون حباتها في قرن واحد، فكذلك كل شيء يتلاحق كالسبحة في قرن واحد يسمى قطاراً”

وأنا أقول للأستاذ صادق أفندي عنبر: بل أنتم الغالطون المالطون، ألم تعلموا أن الدابة أنما سميت كذلك لأنها تدب على الأرض فهي دابة، ولو تابعناكم على ما تريدون لفسدت أمور في اللغة كثيرة، ألا ترون أن من الأشياء ما لا تنكشف حقائقه للناس إلا بهذه التسميات فمثلا كيف نسمي -سعد باشا وأصحابه حين يذهبون صفًّا طويلًا إلى المستر مكدونلد يسألونه الشفاعة عند حكومة المحافظين الإنكليزية؟ هل نسميهم قطارًا؟ ذلك ما لا يصح في اللغة لأنه يخالف المحفوظ من أوضاعها ولا في الذوق السليم لأنه يخالف ما وجب لهم من تعظيم وكرامة، إذن لا مفر من أن نسميهم دابة فنقول ذهبت الدابة إلى الإنكليز في العام الماضي وتريد أن تذهب إليهم في هذا العام.
واعلم أن هذه التسمية ليست بدعًا في اللغة، فقد استعملها العرب ووردت في قصة الأعرابي الذي انحدر من البادية إلى قرية قيس بن عاصم وهي قصة معروفة في كتب الأدب ومحل الشاهد فيها أن مغنيًا أصلح أوتار عوده ثم احتضنه وجعل يحرك أوتاره بريشة في يده اليمنى بينما تعبث أصابع يده اليسرى بالأوتار من مشدها فيخرج من العود صوت عذب منسق أخّاذ بالأنفس والقلوب فلما رأى الأعرابي ما فعل المغنى زحف إليه مندهشا حتي إذا صار ين يديه قال له في تواضع وسذاجة:” بأبي أنت وأمي، ما هذه الدابة ؟ ..”، وهكذا أطلق الأعرابي اسم الدابة على العود حين ظنه شيئًا من دواب الأرض إذ وقع في نفسه أنه متحرك ذو صوت وإذ كان يعلم أن الدبيب الذي اشتقت منه الدابة هو الحركة فوق الأرض. فماذا يمنعنا كذلك أن نسمي قطار السكة الحديدية دابة لأنه يدب على ظهر الارض في الساعة الواحدة مرات لا يحصيها إلا الله؟ …
يا حضرات اللغويين: أيكفي ذلك في باب الاستدلال والحجة؟ إن قلتم لا يكفي، قلنا فدونكم حجة أخرى فيها الكفاية كلها.
إنكم لا ترضون اسم الدابة لقطار السكة الحديدية فماذا تقولون في اسم “العانة”؟؟ وما هي العانة أيضًا؟ هي -كما تجدونها في واسع علمكم- الجماعة من حمير الوحش، قال الحطيئة:
وبينا هم عنّت على البعد عانة
قد انتظمت من خلف مسحلها نظما
والجماعة من حمير الوحش تخرج إلى الماء صفًّا متلاحقًا كل واحدة وراء أختها، والمسحل هو الحمار الذكر يسير أمام الجميع وكلها وراءه فهو في بني جلدته رئيس محبوب، ولا جرم أن مركبات السكة الحديدية تسير متلاحقة كل واحدة وراء الأخرى ويسير “الوابور” في مقدمتها كما يسير عبد الستار بك الباسل في مقدمة وفد الفيوم، فيجوز بعد هذا الشرح أن تسمي القطار “عانة” لأنه يسير كحمير الوحش، وإذا جاز ذلك جاز قياسًا عليه أن يطلق اسم “العانة” على السعديين حينما يسيرون كل واحد وراء الآخر إلى النيابة لتحقق معهم في تهمة كتهمة الاعتداء على الكشكول..
ولا يزال القطار يطوي الأرض، لكن ركابه يرونه ساكنًا ويرون الأرض متحركة فهو في رأى العين ثابت تجري به الأرض إلى حيث يريد كل المسافرين.

انظر إلى أسلاك التلغراف الممدود بين الأبعاد السحيقة كأنها صلة الروح بين العاشق من سكان الإسكندرية ومعشوقه من سكان الخرطوم.
انظر إلى شجر السرو الباسق وقد ذهب في الجو كأنه نظرات المحبين إلى شمل الكواكب المجتمع وهم مسهدون ينتظرون ساعة التوديع أو ساعة اللقاء.
انظر إلى الزرع نهو بساط أخضر مرقش، لا تدري أهو لبس الأرض حذاء وجعلها وطاء، أم هي لبسته رداء واتخذته غطاء، على كلا الحالين هو في خضرته حسن وجمال، وفي بياضه بسمة وجلال، وفي سمرته نفحة وشميم، وفي نضرته جنة ونعيم.
انظر إلى النهر يرافق القطار في طريقه، وربما تقدمه فسبقه، وربما تخلف عنه ثم لحقه، وهو دائمًا يترقرق كمسيل الدمع في خد الحسناء، أو كالخط الأزرق في الصفحة البيضاء، وليس أجمل من هذا البردي وهذا النيلوفر، كلاهما غريق لا ترى منه إلا زهرًا يطل وحسنا يبين ويضمحل، كلاهما غريق والغرق حياته، وكلاهما دفين وتلك نجاته، وكلاهما يستر من جسمه بالماء ما تستر الحسان من أجسامهن بالقمص والجلابيب.
انظر إلى كل ذلك تبصره يمشي كأعظم ما تكون سرعة المشي ويفوتك ممعنًا في الناحية التي تركتها وراءك، فإذا انتهيت إلى بلد الريف رأيت فلاحين على فطرة الله فيسرك أن تدخل بلدهم لترى كيف يعيشون في قطعة من الجنة، وإذا انتهيت إلى بلد من بلاد الحضر رأيت متاجر وأسواقا، وصفافير وأبواقا، وكذلك ينقلك القطار، إما إلى الجنة وإما إلى النار، نسأل الله السلامة.


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات