في ميدان الغرام الشرقي

في ميدان الغرام الشرقي

واستأذنتها في الانصراف فأذنت، فرجوت منها أن ترشدني الطريق حتى لا (أتكعبل) في (ماجور العجين) الذي سبق أن (تكعبلت) به وأنا داخل في الحوش



بقلم: محمد عبد القدوس


انتصارنا الباهر على إنجلترا

منذ أشهر قامت ضجة في الصحف والمجلات حول هيام الأمير فواز من عرب الشام بممثلتين إنجليزيتين ومنذ أيام ذكرت مجلة روز اليوسف الغرّاء أن ممثلة مصرية وهي الآنسة أمينه محمد استطاعت بمفردها وبقوة تأثير جمالها الشخصي أن تفتح قلب الأمير المذكور وتتربع فيه وتطرد منه شبح الممثلتين الإنجليزيتين فيسلوهما تمامًا ويهم بها لزامًا …

ولما كان ذلك نصرًا مبينًا لجمالنا على جمال الإنجليز فقد قصدت الآنسة في سرايها المطلة على الحارة الموجودة فيها لأقف منها على سر المسألة وحقيقتها وتفاصيلها …

طرقت الباب فأطلت لي من الشباك وقالت: “مين؟”، فقلت لها: “أنا”، فنزلت وفتحت الباب ودخلت فاستقبلتني بما عهد فيها من رقة وأنس …

بعد قفلة الستارة

ذكرت لها القصد من زيارتي فاعتذرت أولًا ثم لانت واعتدلت زادها الله حسنًا وقالت لي:

“كان على (قفلة الستارة) لفصل من فصول رواية كنا نمثلها على مسرح من مسارح الشام وقد كان التصفيق حادًا فظيعًا لدرجة أن أحد المشاهدين مات وآخر تناثر لحم كفيه من شدة تصادم تلاقيهما، ولم يحس ولم ينتبه واستمر في التصفيق فتداخلت عظامهما في بعضها والتحمت، فلم يعد في الامكان فصلهما فأصبح ذا كف واحد لذراعين يتفرعان منها وبذلك صار أعجوبة كان له منها دخل غير قليل بل أصبح من الأغنياء المعدودين وهو في كل فرصة يذكرني ويذكر أني السبب في غناه … ما علينا، نزلت الستار وارتفعت (تلتميه خمسة وستين مرة) والتصفيق كما هو حتى أغمي على كثيرين وتفتت أذرعة آخرين حتى انتهوا وصاروا يصفقون بنهودهم، وقد استلفت نظري وأنا على المسرح أحيي الجماهير وأشكرها أن نصف الضجة آت من على يميني فنظرت لأشكر وإذا بشاب جميل الصورة يلبس الملابس العربية بفخفخة تفوق الوصف جالس في المقصورة الممتازة ولما أن تلاقت نظراتنا سقط مغشيًا عليه فكان ذلك داعية لهبوط الضجة إذ انشغل الجمهور بالاهتمام به وأظن أنه لولا ذلك لاستمر رفع الستار وخفضه حتى اليوم.

الأمير فواز

سألت عن الشاب الذي له مثل هذه المكانة فعلمت أنه اسمه الأمير فواز وأنه يهيم بي غرامًا وأنه في كل ليلة يجلس في مقصورته يبكي وينوح حتى مطلع الفجر ويسألون بإلحاح أن أشفق به فابتسمت وسكتّ وفي الليلة التالية جبرت بخاطره وابتسمت له وليتني لم أفعل لأن هذه الابتسامة جرأته على أن يوالي إرسال باقات الورد المحشوة بعقود اللؤلؤ وغالي الجواهر فكنت أرفضها طبعًا.

مرّت على ذلك مدة وفى صبيحة يوم استيقظت نشطة وكان يومًا شديد الحر ففتحت باب الشرفة وأطلقت الفونوغراف وكانت أسطوانة شارلستون أخذت أرقص عليها وبينما أنا في ذلك وإذا بجواد دخل مدفوعًا من الشرفة مع أن مسكني كان في الطابق السادس عشر ولما تبينت الفارس الذي على متنه وجدته هو نفس الأمير فواز الذي نظر إلي مبتسمًا وقال (أسعدتِ صباحًا يا ربة الجمال) فسكتّ من دهشتي وأخذ الجواد يرقص بدلًا مني. ولما أن انتهت الأسطوانة وسكت الفونوغراف كف الجواد عن الرقص ونزل الامير من على متنه وركع أمامي وألقى قصيدة إن كنت في الجيش أدعى صاحب العلم[1]. ولما أن أتم القصيدة والذى منه سألته بشدة عن سبب تهجمه المعيب فأخبرني وهو يبكي أن شدة الحب هي التي دفعته وأنه يجب أن أذهب معه في الحال ليعقد عليّ ويتزوجني فرفضت واحتدت المناقشة وفى أثناء ذلك انتهز الجواد الفرصة وأدار الفوتوغراف ليرقص لولا أن الأمير شخط فيه شخطة مُضرية جعلته يرجع عن عزمه ويجلس في سكون مثل الكلب على مقعد في آخر الغرفة ثم عاد الأمير وأخبرني بأني اذا لم أصطحبه طوعا فسيختطفني فقلت له بأنه لا يستطيع فقال سنرى ثم وقف وأخرج بوقًا صغيرًا من الجوهر نفخ فيه نفخة وإذا بجلبة وضوضاء قد ملأت الجو فذهب إلي الشرفة وقال لي انظري، فنظرت وإذا بالطريق اكتظت لآخر مرمى النظر بجنود من العرب وهم غاطسين في الحديد والسلاح لذقونهم وقامت البلدة على قدم وساق وجاء مدير الشرطة ليسأل عن المسألة وكانت بيني وبينه معرفة فغمزت له بعيني ففهم القصد وذهب وعاد ومعه قوة البوليس والجيش حيث اشتبك مع جنود العرب في حرب انتهت بسقوطهم صرعى جميعًا فجاءت الإسعاف من القاهرة وحملتهم جميعًا ودفنتهم.

محرمة من الحرير

بكيت من شدة التأثير فأخرج الأمير محرمة من الحرير ومسح بها دموعي فقلت له: (أيها الأمير، علام كل ذلك؟ وهل يرضيك موت كل هذه الخلائق؟”، فقال: “إنها ليست بشيء بالنسبة لجمالك”، وأردف ذلك بقوله: “هيا بنا”، فقلت له: “محال”، فأخرج البوق مرة ثانية ونفخ فيه وإذا بجلبة تفوق الجلبة الأولى وإذا بجيش يفوق عدده الجيشين اللذين ماتا أضعافًا مضاعفة وبعد برهة حضر مدير البوليس الذي تعيّن بدل الذي مات رحمه الله. انتظر إشارتي كوصية الفقيد فوجدت أن الأفضل أن أتظاهر باتباع الأمير حقنًا للدماء وأن أضحي بنفسي بدلًا من هذه الآلاف المؤلفة وعلى ذلك أظهرت للأمير رغبتي في اتباعه.

لم أشعر بعد ذلك بما حدث لي بالمرة وعندما استيقظت وجدت نفسى على سرير من الذهب المرصع بالجوهر واليواقيت على شكل طاووس يبلغ ذيله الذي فوق رأسي عنان الغرفة التي هو بها وهو يتوهج نور من كثرة ما به من جواهر ولآلي. كما وجدت أربعين جارية واقفات بكل سكون، وكان في آخر الغرفة مائة من شيوخ ذوى لحى بيضاء يتوسطهم موقد عظيم يتصاعد منه البخور وهم يرتلون أناشيد على شكل (أوبرا(.

لم ينتبه أحد ليقظتي في أول الأمر ولكنهم انتبهوا عندما تحركت وفركت عينيّ وجلست فزغردت الجواري وخرجن مهرولات مسرعات وزغرد الشيوخ أيضًا وأخرجوا من جيوبهم (الساجات) وأخذوا يرقصون وأحدهم يطبل.

ويستمر النخع

دخل الأمير بعد برهة وهو يجري فارتمي بجانب السرير وأخذ بتقبيل يدي فسألته: “أين أنا”، فقال “في قصرك أيتها الحبيبة، وأنا هنا عبدك الخاضع”، فقلت له: “والآن أيها الأمير، ما الذي تريد أن تفعله بي؟”، فقال لي: “مري تطاعي إذ أنتِ التي يمكنك أن تفعلي لا أنا”، فقلت له: “إن كنت تحبني حقيقة فأطلق سراحي وأرسلني للتياترو“، فقال: “ذلك لكِ، ما دمتِ تريدين”، ثم صفّق فدخل مائة عبد تقدم رئيسهم فأسرّ إليه الأمير بأمر وقمت فهيّأت نفسي وجهزت لوازمي وخرج الأمير معي حتى الباب الخارجي بعد مسير ثلاثة أيام وهناك وجدت الهودج الذهبي وحوله ألف ألف من العبيد وألف ألف من الغلمان لخدمتي وألف ألف ألف محارب بكامل السلاح لحراستي، ولما دخلت الهودج وجدت فيه ألف ألف جارية لخدمتي الخصوصية ويتبع الهودج ألف ألف ألف جمل وألف ألف ألف بغل كلها محملة بالجواهر واليواقيت واللآلئ وغالى الخز والديباج …

صافحت الأمير وسمحت له أن يقبل يدي فقال لي: “إن كل ما حولي من فرسان وعبيد وغلمان وجواري ودواب وأموال هو ملكي آخذه ولا أعيده ولن يدخل في ذمته بعد اليوم فشكرته بانحناءة من رأسي وسار بنا الركب حتى وصلت التياترو قبل رفع الستار بخمس دقائق وبكل سرعة هيأت نفسي وألحقت دوري في الفصل الأول ولولا ذلك لحذفوه من الرواية …

وتوتة توتة

وفي الصباح أحضرت الرجال والعبيد والجواري والغلمان وأخبرتهم أني أعتقتهم لوجه الله وأنهم قد صاروا أحرارًا وأني قد تنازلت لهم عن كل ما حملوه معهم من مال وما استصحبوه من دواب ففرحوا وانهالوا عليّ تقبيلًا وقاموا بمظاهرة عظيمة في حوش المنزل الذي كنت فيه ولما كانت المدينة تضيق بهم فقد انشؤوا مدينة جديدة بجزء من الأموال التي معهم أطلقوا عليها اسم (أمينة محمد) وقد دعوني لوضع الحجر الأساسي فلبيت الدعوة حيث أقيم احتفال حضره الملوك وسفراء الدول ووضعوا لي تمثالًا في وسط المدينة كما أنهم بنوا صهريجًا عظيمًا وضعوا فيه الأموال يغترف منها كل من أراد منهم وقتما يريد وهذه هي قصتي بكل اختصار …

شكرت للآنسة كرمها وحسن وفادتها واستأذنتها في الانصراف فأذنت، فرجوت منها أن ترشدني الطريق حتى لا (أتكعبل) في (ماجور العجين) الذي سبق أن (تكعبلت) به وأنا داخل في الحوش ثم أشعلت عودًا من الثقاب خرجت على ضوئه حتى الباب فانحنيت للآنسة بكل احترام ثم (زنقت) الباب كما أوصتني شفاها الله وإيانا … ملحوظة – طلبت مني الآنسة ألا أخبر أحدًا بهذا الحديث ولذا أرجو القراء أن لا يخبروا أحدًا بالمرة …


[1] من قصيدة غناها سلامة حجازي في رواية صلاح الدين الأيوبي نهاية القرن التاسع عشر

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات