كليبر ومينو في مصر

كليبر ومينو في مصر

«بينما باءت كل المحاولات بالفشل، ولأسباب خارجة عن إرادتنا، لم تتلقَ أي مساعدة أو أخبار من فرنسا، وإذا كان هذا العام، رغم كل الاحتياطات، انتشر الطاعون في مصر وقتل أكثر من 1500 جندي

بقلم: فرانسو روسو

ترجمة: حسين بكري


غادر بونابرت مصر في ليلة 22 أو 23 أغسطس 1799 ، وبرفقته الجنرالات بيرتييه، ولانس، ومورا، وأندريوسي، ومارمون، والعلماء مونج وبيرثوليت، على متن الفرقاطتين كارير ومويرون، اللتين نجتا من كارثة أبو قير، وكانتا مسلحتين بأفضل ما يمكن من قبل الأميرال جانتوم. وقد ترك الغياب المؤقت للطرادات الإنجليزية، التي اضطرت إلى إصلاح الأضرار التي لحقت بها ، الممر خاليًا للسفن الفرنسية.


انتشر خبر الرحيل المفاجئ الذي بدا وكأنه هروب، وكان هذا سببًا آخر لإحباط الجنود يضاف إلى إحباطات الفشل في حملات سوريا وصعيد مصر، حالتهم يرثى لها وملابسهم ممزقة ولم تستطع كلمات قادتهم من الضباط من رفع حالتهم المعنوية.
في رسالة إلى باراس سرد الجنرال دوجوا كل تكهناته بكارثة قريبة على وشك الحدوث، الخزائن فارغة، الجيش بلا بارود وبلا قذائف مدفعية، بعض الجنود بلا أسلحة، الحصون في حالة سيئة، وخالية من المدفعية.


طالب جونو بشحنه إلى فرنسا، حتى لاسال الذي وصف الأشخاص الذين اتهموا بونابرت بخيانتهم بالحمقى، هو الآخر طلب من الجنرال دوجوا أن يأخذه معه إلى فرنسا، معلنًا أنه صالح لكل الوظائف، حتى وظيفة عامل المطبخ، وهي المهنة التي تعلمها أثناء حملاته.
لقد وصلت كل هذه الرغبات، التي صيغت بطريقة مأساوية أو هزلية، حسب الشخصيات، إلى مسامع كليبر، الذي كان مكلفاً بالقيادة العليا، كان ديزايكس، مثله تمامًا، قادرًا على إنجاز مثل هذه المهمة المهمّة، ولكن بونابرت، الذي أحب ديزايكس، أراد منه أن يعود إلى فرنسا حيث لم يعد وجوده في مصر ضروريًا.


وعلى الرغم من السخط الذي شعر به كليبر عندما رأى مثل هذه المهمة مفروضة عليه، دون حتى أن يتم استشارته، حيث كان محتجزًا في دمياط، عندما أبحر سلفه، إلا أنه تحدّث رسميًا وبكل لباقة عن هذا الرحيل المفاجئ ، لقد خاطب الجنود بشأن إغاثة وشيكة لن يتردد بونابرت في إرسالها إذا نجح في خداع العدو؛ لعب على حبهم لذواتهم خاصة وأن هذه القوات يتألف معظمها من قدامى المحاربين في جيش إيطاليا؛ وعدهم بالتخفيف من المشقة التي يعانون منها قائلًا: «كلّما فكرت في ميزة وجودي على رأسكم، وشرف قيادتي لكم، كلّما زادت قوتي».


بعد أيام قليلة ظهر القائد العام الجديد في القاهرة في صورة أثارت خيالات أهل الشرق ، يتقدمه صفان من الرجال يضربون الأرض بعصيهم الطويلة، يهتفون باللغة العربية: «ها هو القائد العام، أيها المسلمون، انحنوا»، اصطف الجميع وانحنوا وأذرعهم متقاطعة على صدورهم؛ ترجّل المارة الذين كانوا يمتطون الخيول أو الحمير أو البغال، احترامًا، تقدم بعدها كليبر على وقع أصوات المدافع التي تطلقها حصون القاهرة، عزز سطوته التي شكّلها الجيش والمواطنون المحيطون به قامته الطويلة ووجهه العسكري المهيب.


احتل كليبر بيت بونابرت القديم في ميدان الأزبكية، زاره أعيان القاهرة، والشيوخ، والعلماء، يثنون عليه ويشجعونه، لكنهم رغم كلّ هذا، ظلوا مذهولين تمامًا من حدّته التي لم يعتادوا عليها في حواراتهم مع نابليون والتي تصحبها إيماءاته وابتساماته أثناء حديثهم معه، ظلّوا يتحدّثون عن انطباعاتهم عنه وهم يغادرون القصر، كانوا يقولون فيما بينهم: «إنه لا يضحك مثل الآخر» .


في الأول من فينديمير الثامن (23 سبتمبر 1799)، أقيم احتفال في القاهرة بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس الجمهورية، وزع القائد العام بعض الأوشحة، كعلامة على توليه المنصب، على رئيس الديوان والقاضي وغيرهما، كما حضر استعراضًا وعرضًا للألعاب النارية ومأدبة عشاء فخمة.
لم نكن لنعرف كليبر جيدًا إذا لم نفاجئه في حياته الخاصة وهو محاطٌ بأسرته العسكرية ومساعديه ورئيس أركانه «داماس»، حيث يتحدّث دون كلفة مع مواطنيه الحقيقيين وأصدقائه الحميمين، دون الالتزام بالبروتوكول؛ هنا يظهر هذا الرجل الذي يجذب إليه مودة كل من يقترب منه، لكنّه رغم هذا، لا يتمكن من توصيل انطباعاته بسهولة، إما عن طريق الرسائل أو عن طريق المحادثات.


لم يكن سرًّا بما فيه الكفاية بالنسبة للجنرال العام؛ الذي استمتع كثيرًا بمتعة التخفيف من مشاكله بسخرية بارعة موجهة ضد بونابرت ومؤيديه، وهي انتقادات كانت تشبه التعليقات على الرسوم الكاريكاتورية التي برع في رسمها والتي سمح بتداولها بشكل غير حكيم، لدرجة أنه أراد أيضًا أن يقوم بخدعة شريرة إلى حد ما مع بونابرت، إلا أن الطرادات الإنجليزية حالت دون ذلك، فقد حاول كليبر إرسال تلك السيدة التي لاقت استحسان السلطان الكبير إلى فرنسا، رغبة منه في أن يفعل الجمال فعله في إفساد المصالحة بين جوزفين وزوجها المتلاعب .


كان كليبر يكره بونابرت رغم اعترافه بتفوقه عليه، فقد كان ضابطًا سابقًا في جيش سامبر-إي-ميز، وكان يحمل أحكامًا مسبقة ضد جيش إيطاليا وقادته، هذا بالإضافة إلى احتفاظه بنوع من الصلابة الجرمانية التي كان مدينًا بها لمولده وتعليمه العسكري الذي تلقاه في الجيش النمساوي، حيث خدم فيه لمدة ثماني سنوات تقريبًا. وقد طبعت هذه البصمة الروح الألمانية في بعض عباراته الفريدة وفي الطريقة التي استخدمها في تنفيذ المناورات.
لقد صدمته عبقرية بونابرت الكورسيكية وأربكته بشيء غير عادي وغير متوقع، ويضاف إلى هذا العداء شعور بالاستياء، فقد كان يعتقد أن هذا الرجل الذي تخلى عن مهمة أصبحت غير مجدية قد لعب دوره؛ والذي فرض عليه مسؤوليات كان من المؤكد أنه سيخفف من ثقلها. وكان كليبر، الذي بلغ من العمر نحو خمسين عاماً، وكان أحد عمداء الجيش، يعتبر نفسه أكبر سنًا من أن يمارس القيادة العليا، وكان يشك في إمكانياته عن غير قصد؛ كان «شجاع القلب، ولكن جبان العقل» .


لقد تُركت التعليمات التي وضعها بونابرت لخليفته وتضمنت النصيحة في جوهرها لكسب الوقت، بعد هزيمة الأتراك بالقرب من أبو قير، تم إرسال أفندي تم أسره إلى الصدر الأعظم برسالة، فإذا تفضّل الأخير بالرد على هذه المبادرات، فيمكن لكليبر أن يمدّ أجل المفاوضات من خلال دعم هذه النظرية المشكوك فيها: أنه على الرغم من معركة الأهرامات وحصار عكا (Saint-Jean-d›Acre)، فإن فرنسا لا تزال محتفظة بمشاعر الصداقة مع الباب العالي، وإن الاستيلاء على مصر كان أكثر فائدة لحكومة القسطنطينية مقارنة بالإضرار التي حدثت، حيث أنه أدى إلى تطهير البلاد من الإقطاع المتواصل والمتمرد للمماليك.


وبذلك يمكن أن يستمر كليبر إلى شهر مايو 1800، وإن لم تصله أي مساعدة أو لم يتلق أي أخبار من فرنسا، فيمكنه وقتها التفكير في التنازل عن مصر. وإليكم أيضًا نص التعليمات المتعلقة بالتخلي عن هذا البلد:


«بينما باءت كل المحاولات بالفشل، ولأسباب خارجة عن إرادتنا، لم تتلقَ أي مساعدة أو أخبار من فرنسا، وإذا كان هذا العام، رغم كل الاحتياطات، انتشر الطاعون في مصر وقتل أكثر من 1500 جندي، وهي خسارة كبيرة، بالإضافة إلى ما تسببه لك أحداث الحرب يوميًا، أعتقد أنه في هذه الحالة يجب عليك ألا تفكر في الاستمرار في الحملة، وأنك مخول بإبرام السلام مع الباب العالي العثماني، حتى لو كان الجلاء عن مصر هو الشرط الرئيسي. »

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات