حرية العاهرات

حرية العاهرات

فناشدتكم الله يا أهل الشرف والغيرة ماذا كان يلحق بأهل صاحب هذا البيت المسكين من العار والشنار إذا صادف مرور أحد أصحابه ونظر وقوف تلك العاهرة الفاجرة على باب صاحبه وخروج الأخرى من بيته

بقلم: أحد الأفاضل من الإسكندرية


إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه

فكل رداء يرتديه جميل

الحرية وما أدراك ما هي! إني أعجز عن وصف ماهيات الحرية حتى أفيها حقها. ولكن أقول إنها منحصرة في ثلاثة مواضع، أولها، المحافظة على الحقوق وإعطاء كل ذي حق حقه، ثانيها، المساواة بين الضعيف والقوي والفقير والغني أمام تيار العدل في موقف الإنصاف، ثالثها، المحافظة على الآداب العمومية.

وهذا الأخير هو موضوع رسالتنا هذه، فإنه لما قضى الدهر على أهل هذا القطر بالحرية الأوروباوية للمحافظة على حقوقه وبث العلوم والمعارف في أكنافه، انعكس الأمر وقامت البغاة مسفرة عن وجهها لثام الخبث والرذائل فكأن الحرية ما أتت إلا لهم وعلينا.

فلذلك أقدم هذه الرسالة لأولي الأمر بلسان سكان الإسكندرية خصوصًا والقطر المصري عمومًا نبث فيها شكوانا وما أصابنا وحل بنا من الرزايا وما نخشاه على أنفسنا وعلى أولادنا وشباننا من سوء العواقب مما تفعله أهل الفجور العاهرات وولوجها الشوارع العمومية والحارات ولم تراع لنا حقًا ولا شرفًا ولا غيرة ولا حمية. فقَلّ أن تجد طريقًا أو شارعًا إلا وهن فيه يرتعن عاريات الوجوه يتبخترن في ثوب الوقاحة ولا تسل عما يفعلن من الرذائل والقبائح .

وقد زدن الطين بلة باتخاذهن بين الأحرار منازل بحيث إذا دام الحال على هذا المنوال فنكون نحن أهل مصر عمومًا قد جلبنا على المصونات الأحرار الذل والهوان فوق ما ضربناه عليهن من إحكام الضيق وعدم التصريح بترويح النفس. فلا يقدرن أن يفتحن نوافذ بيوتهن لاستنشاق وتغيير الهواء. حتى زهقت منهن الأرواح وصرختا من فؤاد كئيب وافضيحتاه ارحمونا يا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

فيا أهل العدل والانصاف ويا من تعهدتم بأمر الضبط والربط، إليكم أنادي. ولا لغيركم أعني. حافظوا على الآداب العمومية واقطعوا جرثومة داء الفجور خوفًا من انتشار البلوى.

فتبًا ليومٍ نشرت فيه الحرية التي قضت باقتراب الفاسقة بالحرة وامتزاج الحلوة بالمرة والخبيثة بالطيبة.

حادثة رأس التين

وهنا أذكر حادثة حدثت وأترك النظر فيها والحكم لأولي الأمر والنهي وهي بينما كنت جالسًا بشارع رأس التين إذ مر عليّ أحد أصدقائي يلوح على وجهه الغضب فناديته فلم يسمع النداء مما هو مختلج بأفكاره فأسرعت إليه وأجلسته بجانبي وهو غارق في بحار الفكر والحيرة ثم ابتدرته بالكلام عمّا ألمّ به، فأجابني بأنه قد أصيب بداهية كبرى وعار لا يمحى، وهو أنه بينما كان متوجهًا لبيته إذ شاهد عاهرتين أمامه تائهتين عن السبيل حتى وصلتا إلى باب بيته فتحركت فيه الحمية والغيرة البشرية المصرية واستشعر بحمى وقشعريرة حتى كادت روحه تفارق جسده.

فقاوم نفسه بالعزم والحزم ووقف بعيدًا ليقف على حقيقة الخبر وبينما هو كذلك إذ دخلت إحداهما وخرجت على عجل وقالت لأختها إننا قد تهنا وضللنا عن البيت. فحمد الله سبحانه وتعالى على هذه الحالة ولو لم يتدارك نفسه بالحلم لحصلت أمور لا تخفى على كل لبيب عالم بأحوالنا وغيرتنا الشرقية. فناشدتكم الله يا أهل الشرف والغيرة ماذا كان يلحق بأهل صاحب هذا البيت المسكين من العار والشنار إذا صادف مرور أحد أصحابه ونظر وقوف تلك العاهرة الفاجرة على باب صاحبه وخروج الأخرى من بيته وما يختلج بضميره وقتئذ.

الشكوى لغير الله مذلة

فبناءً على ما تقدّم جميعه وبالأصالة عن نفسي وعن صاحبي وأهل الإسكندرية خصوصًا وعن الأمة المصرية عمومًا، نتقدم بهذه الرسالة، أولًا، إلى الصحة العمومية التي تطالبنا في كل آن بالمحافظة عليها وتأمرنا بفتح توافد البيوت لتغيير الهواء الفاسد بالهواء النقي، أن تسعى لمنع سكني الفواحش بين الأحرار حرصًا على فساد الهواء.

 وثانيًا، المصلحة الضبط والربط التي من وظائفها المحافظة على النظام العام وعدم الإخلال به والتعرض لما يدعو لحدوث مشاكل وارتباكات يترتب عليها وقوع جنح وجنايات مثل هذه الأحوال، وثالثًا، للنيابة العمومية التي من وظائفها المحافظة علي الآداب التي يقتضيها نظام الهيئة الاجتماعية ومقاومة ما يمنع كل فرد من التمتع بسائر حقوقه المدنية، ورابعًا، لنظارتي الحقّانية والداخلية اللتين هما محل الاختصاص لكشف هاتيك البلية. ومن خصائصهما الإيعاز لتلك الفروع المنوّه عنها بإجراء وظائفها، وخامسًا لهيئة الحكومة السنية، وسادسًا للأعتاب الخديوية الفخيمة التي هي برعيتها بارة رحيمة.

أن تصرف الأفكار والأنظار إلى ملافاة هذه الخطوب والأضرار، دفعًا لما يترتب عليها من فساد الأخلاق الصالحة وتسميم المبادئ السليمة الطاهرة فضلًا عمّا يترتب عليها من الحوادث الجنائية والمصائب العالية وغير ذلك مما لا يخفى على علم رجال الحكومة الكرام.

تعليق الأهالي

(الأهالي) لدينا رسالة أخرى من أحد الأفاضل بالإسكندرية من هذا القبيل تحت عنوان (خابت الآمال) سننشرها في العدد القادم لعل إحساس الحكومة يتأثر من مصائب رعاياها، وفؤادها يشعر بعلل أمتها ورزاياها. وإلا تركنا يراع الاسترحام، واستعملنا سلاح الإيقاظ والمطالبة بنوع آخر من أنواع الكلام.

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات