ولما عاد رفاعه بك للمدرسة سأله المدرسون لماذا عدت فأخبرهم بما حصل فقالوا له من أين علمت بقتل عباس باشا فقال لهم انتهيت في ترجمة تلماك الى اجتماع الملوك المتعاهدة

إنه كانت للمرحوم عباس باشا حاشية خاصة الخدمته يقال لهم ايج أغاسيه كان أكثرهم حائزا لرتبة قائمقام وكان جعل لرياستهم أحد غلمانه الأخصاء خليل درويش بك وعرف فيما بعد بحسين بك الصغير وقد أساء هذا الرئيس معاملة الأيح أغاسيه فأطالوا عليه الستتهم سيما وأنه كان صغير السن وصاروا كلما مر عليهم يرمونه بأقوال قبيحة وألفاظ شائنة، فشكاهم الى الوالى الحاج عباس باشا فأمر بجمعهم داخل السراي وأمر حسين بك المذكور بجلدهم ثم جردهم من نياشينهم الرسمية وألبسهم لبدًا وزعابيط وأرسلهم الخدمة الخيول بالاصطبلات فعز ذلك على مصطفی باشا خزینه-دار.
الحاج عباس باشا الأول لأنه من كبار خشادیشه فسعى بكل جهد لدى الأمير ليعفو عنهم فلم يمكنه ولم توجه الأمير عباس باشا الأول الى قصره في بنها وكان معه أحمد يكن باشا وابراهيم الألفى بك ترجاهما الخازندار المذكور في طلب العفو عن خشاديشه المذكورين فلما التمسا منه ذلك أصدر أمره بالعفو عنهم وردهم الى مناصبهم كما كانوا ثم ذهبوا.

جميعا الى بنها ليرفعوا واجب شكرهم لسمو الوالى ولكنهم أضمروا له السوء لما حصل لهم وأخذوا يدبرون مكيدتهم ثم تواطؤا مع غلام من خدمة السراي يدعى عمر وصفى وكان من عادة الوالى الحاج عباس باشا عند نومه أن يقيم على حراسته اثنين من الغلمان وفى ليلة ١٩ شوال سنة ١٢٧٠ كان القائم بالحراسة اثنين يدعى أحدهما شاكرا والآخر عمرا وكان المتأمرون اتفقوا معهما على الفتك بسيدهم ولما أقبلوا ليلًا فتحا لهم الباب فدخل الأبج أغاسيه على الأمير وهو مستغرق في نومه ولما أرادوا الفتك به استيقظ وقصد الهرب ولكن الخائن عمر وصفى منعه وأعاده اليهم فتكاثروا عليه وقتلوه وأوعزوا الى الغلامين بالهرب لتتم الحيلة فهربا في تلك الليلة وكتم الباقون الخبر الى اليوم الثاني ولما لم يستيقظ الأمير في ميعاده دخل عليه أحمد يكن باشا وابراهيم الألفى بك فوجداه مقتولًا فأخفيا الخبر ونقلوا جثته الى القاهرة على عربة ودفن في اليوم الثاني.
و من المصادفات الدالة على غرابة القياس أن جزايرلي سليم باشا حکمدار السودان في غضون شهر شوال سنة ١٢٧٠ أعد وليمة في سفينة من سفن الحكمدارية الراسية في مياه الخرطوم دعا اليها قناصل الدول والمرحوم رفاعه بك ناظر مدرسة الخرطوم وأنه عند قيام السفينة للفسحة قال رفاعه بك للمعزومين إن الوالى عباس باشا قتل فاضطر الحكمدار المولى من قبل عباس باشا الوالى الى إبطال العزومة وعاد الجميع الى الشاطئ وتفرق الجمع ولما عاد رفاعه بك للمدرسة سأله المدرسون لماذا عدت فأخبرهم بما حصل فقالوا له من أين علمت بقتل عباس باشا فقال لهم انتهيت في ترجمة تلماك الى اجتماع الملوك المتعاهدة وانضمام تلماك معهم على محاربة الملك ادرسته ملك الدونيه وإعدامه بيد تلماك لارتكابه كل الأمور التي أرى أن عباس باشا ارتكبها تماما وحيث كانت عاقبة ادرسته القتل فقياسا على هذا قلت لا بد أن يكون عباس باشا قتل مثله فقالوا ألم يكفك غربتنا هنا في الخرطوم والتجارى على هذا القياس الخرافي الذي يترتب عليه إبعادنا الى أبعد من الخرطوم؟

وفي ثاني يوم من الحادثة حضر اثنان من العساكر الشائقية طوال القامة يدعوان رفاعه بك لمقابلة الحكمدار فخاف المدرسون من العاقبة ولما همّ رفاعه بك بالمسير سار بفردة واحدة من مداسه فقدم له أحد العساكر الفردة الثانية ولما وصل إلى ساحة الحكمدار حياه رفاعه بك فحياه الحكمدار بتحية أحسن منها وقال له تفضل اجلس لك البشرى أنت ومن معك لأنه صدر أمر الوالى محمد سعيد باشا بإعادتكم جميعًا حالًا إلى القاهرة وعندنا جانب من التبر أرى ضرورة تسليمه لكم لتوصلوه هدية لسمو أفندينا سعيد باشا وقد أعددت المعدات النقلكم حالًا فجهزوا جميع متعلقاتكم وسافروا على بركة الله ولما عاد لرفقائه ويشرهم بتلك البشرى السارة كادوا يطيرون فرحًا وتحقق بذلك قياسه وقد سمعت ذلك من صهري المرحوم إبراهيم سالم بك الذي كان أحد المدرسين معه في الخرطوم وسمعت ذلك من المرحوم رفاعه بك بمنزله بمهمشة بضواحي القاهرة وكان يحكى هذه الحادثة ويكررها في جمع من جلسائه رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة.
ثم اجتمع الذين يميلون الى المرحوم عباس باشا تحت رياسة الألفى ابراهيم بك واتفقوا على استدعاء ولده ابراهيم إلهامي باشا وكان باور با ليولوه على مصر ويمنعوا عمه الأمير محمد سعيد باشا أكبر أولاد المرحوم محمد على باشا عن الولاية ولو بالقوة وكتبوا سرا الى اسماعيل سليم باشا محافظ الاسكندرية وقتئذ بما عزموا عليه وأوصوه بالتيقظ والسهر على الثغر حتى يحضر الهامی باشا . ولما وصل المكتوب الى اسماعيل سليم باشا خاف عاقبة الأمر لعلمه بنص الفرمان وقصد من ساعته محمد سعيد باشا صاحب الحق بالولاية لكونه أرشد العائلة وكان بقصر القبارى وأخذ معه أورطة من العساكر ولما أخبره شكره على صداقته وذهب معه إلى قصر رأس التين وأعلن الأمر رسميا وهناك أجريت حفلة الجلوس وأطلقت المدافع ثم سافر سعيد باشا إلى القاهرة بصحبة أمراء عائلته وهم الأمير اسماعيل باشا والأمير عبد الحليم باشا والأمير مصطفى فاضل باشا والأمير أحمد رفعت باشا وغيرهم ولما وصلوا إلى القاهرة وأرادوا الذهاب إلى القلعة بلغهم أن برنجى ألاى من المشاة الموجود فيها تحت قيادة المير الاى محمد شكيب بك الذي هو من مماليك المرحوم عباس باشا مصمم على المانعة حتى يحضر الهامی باشا كالاتفاق المعقود بين رجال حزبه فتوجه اليه الأمير أحمد رفعت ابن ابراهيم بن محمد على باشا بنفسه وأقنع رجال الآلاى المذكور بوخامة العاقبة إذا هم استمروا على عنادهم فسلموا وفتحوا الأبواب وصعد الوالى محمد سعيد باشا وتمت له رسوم التولية وانتهت الأزمة.
وأنقل هنا عن أمين سامي بتصرف من كتابه «تقويم النيل» في المجلد الثالث:
قبل أن نطوى الصحف عن حوادث وأخبار ساكن الجنان الحاج عباس باشا الأول أقول: إنه عند توليته مباشرة استحسن عودة سبعة وثلاثين من طلبة البعوث في ختام سنة 1264ه ومن ضمن هؤلاء: عبد الحليم بك، وأحمد بك، واسماعيل بك من أولاد وأحفاد محمد على باشا . ثم تبع ذلك طلب عودة ثمانية من البعوث في غضون سنة ١٢٦٥ ومن ضمنهم على مبارك باشا، وعثمان عرفى باشا لتكون جملة من طلب اعادتهم 45.
وفي ختام سنة ١٢٦٦ هـ أوفد عباس باشا الأول الى حواضر أوربا 19 طالبًا لدراسة الطب والفلك وقد بلغت نفقاتهم بأوربا هم ومن كان باقيًا من بعوث جده محمد على باشا الكبير بحواضر أوربا مبلغ ٤٩٦٧٥ جنيها. أما من أرسلهم ساكن الجنان محمد على باشا الى مختلف حواضر أوربا فكان عددهم ٣١٩ وأنفق عليهم ٦٠٣٣٦٠ جنيها.
ولا يخفى هنا الإشارة الخفية من أمين سامي بعدم اهتمام عباس باشا بالبعثات مقارنة بجدّه، بل وإعادته لأفراد من الأسرة الحاكمة من البعثة.



سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات