الشيخ أبو العيون والدعارة

الشيخ أبو العيون والدعارة

“ذهبت إلى نهاية ذلك الشارع فحانت مني التفاتة نحو المشرق فرأيت مملكة مؤسسة لها زعماء فاعترضني بعض خفرائها (وهم جملة نساء) أستجير ولا مجير وأستغيث ولا مغيث، وكان بجانبي رجل من الشرطة المكلفين بحفظ النظام فطلبت منه إغاثتي فقهقه كثيرًا بعد ما أدمى رأسي بلكمة ووجهي بلطمة …

غلاف كتاب مذابح الأعراض

بقلم: رئيس التحرير


أما الشيخ أبو العيون والذي تهكّم عليه المايسترو في مقال ” كيف تتعلّم الرقص في البيت” فهو الشيخ محمود أبو العيون أحد كبار علماء الأزهر في بدايات القرن العشرين، كما كان من أدباء وكتّاب ثورة 1919 البارزين، ولد عام 1882 وتوفي عام 1951، واهتم الشيخ في بدايات حياته بإصلاح الأزهر كما اتجه الشيخ بعد دستور 1923 إلى مجال الإصلاح الاجتماعي وكرّس أكثر من ثلاثين عامًا من عمره لمحاربة البغاء الرسمي على صفحات الجرائد والمجّلات.

مذابح الأعراض

وللشيخ عدة مؤلفات أبرزها “مذابح الأعراض” الذي نشر عام 1926 بعد مقال له في نفس العام في مجلة “المنار” بعنوان “محاربة البغاء”، رفع الشيخ في هذا الكتاب مقالاته في الأهرام والمنار والهلال ورسائله إلى جلالة الملك ونواب الأمة عن أثر “البغاء” في تدهور المجتمع وفساده وانتشار الأمراض الجنسية (كانت تسمى بالأمراض السرية في ذلك الحين).

 ونقتطف هنا بعض مقولات هذا الكتاب، يقول كاتب مقدمة الكتاب: “وكان من سيادة الشر في مصر المسكينة أن أقيم للشيطان في ربوعها سرادق ضخم أكبر جنباته وأحفلها بالرواد جانب العهارة فيه، وكان من شأن الخطيئة أن تصل إلى النواحي البعيدة الغور في قلوب الناس وأن يعمل التكرار في استحداث خُلُق مكتسب ينقله الآباء إلى الأبناء، ذخر الغواية الجَهلاء، وتركة الضلالة العمياء. وغشي الناس في حياتهم القصيرة الأجل داجٍ مظلمٍ من مرضٍ وبأسٍ فراحوا صرعى هوىً مطاعٍ وداءٍ قاتل.”

ثم يقول الشيخ أبو العيون تحت عنوان (على مرأى من الحكومة ومسمع): “بين سمع الحكومة وبصرها تقام سوق للفجور، وتنفض سوق، وتذهب الأعراض ضحايا الشهوات والأطماع بلا نكير ولا رقيب، وبين سمع الحكومة وبصرها تنظم الجمعيات السرية لتجارة الرقيق، ويجوب دعاتها الأمصار والقرى طلائع وكتائب، يجتلبون كلم طفلة ومعصر وعانس وخود.”

ومن خطاب من شيخ هرم لأبي العيون اسمه علي لبيب: “قد سررت بمقالكم الأخير الخاص بالرجل المسمّى (الغربي) هاتك ما ستره الله، وقد عنّ لي أن أشرح لفضيلتكم بعض ما كان عليه هذا الرجل من ذميم الفعال حتى توفوه قدره، وتطلبوا من ذوي الحل والعقد عقابه وزجره، كان الرجل يقطن خلف الجامع الأحمر، وهذا الموضع كام معدًّا لدفن الأموات صدقة جارية أنشأه منشئ الجامع المرحوم سليمان أغا السلحدار، عليه سحائب الرحمة، ففي وقت الفوضى كان المفتش الإداري الذي حوكم قبل الآن واسطة في تمليك (الغربي) قطعة من هذه القرافة، فبنى فيها محال البغِيّ واستعمرها بالعاهرات من النساء والأولاد، ولهذا الجامع مدرسة تشرف على تلك المواخير فتمر تلاميذ هذه المدرسة في غدوهم ورواحهم عليها، وقريب من ذلك أيضًا محل عبادة للراهبات وبه مدرسة للبنين والبنات كذلك يمرون أيضًا عليها.”

عاهرات درب عبد الخالق

ويكمل الشيخ الهرم قائلًا: “وأيضًا يا حضرة الفاضل تجد منزلة تنتهي بجهة تسمى (درب عبد الخالق) قد انتشرت فيها عواهره وعواهر الإفرنج حتى امتدت إلى شارع كلوت بك، ولم يزل بداخل هذه الجهة محال للعائلات الحرة وزاوية قفلت لهذا السبب.”

درب عبد الخالق

ثم يردف الشيخ الهرم البالغ السبع من عشرات السنين: “وتجد أيضًا إذا ركب أحد سكان شارع الجامع الأحمر عربة لضرورة سفر أو غيره ظن سائقها أنه يريد محال الفجور، وعلى هذا القياس السيدات القاطنة بهذا الشارع، مع علم فضيلتكم أن شارع كلوت بك قد سمي بهذا الاسم نسبة لأول دكتور أحضر لمصر، ويبتدئ هذا الشارع من محطة مصر إلى ميدان الخازندار، وكل قاصد عاصمة البلاد المصرية أو خارج منها يمر من هذا الشارع الملوث بالعاهرات اللاتي يمكثن على القهوات والبارات التي زادت عن الحد، ويمررن يمينًا وشمالًا آناء الليل وأطراف النهار، وهو ممر الترام الذي يركبه الشبان والفتيات اللاتي لم يبلغن الحلم فضلًا عن السيدات.”

ميدان الخازندار

وفي مكان آخر يقول الشيخ أبو العيون: “حدث أني كنت أقطن بمنزل على ميدان ديوان المعارف القديم، وأمام مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية -قسم البنات- فبليت بقوم سكنوا في الخليج قبالة منزلي، وظهر لي بعد أنهم يديرون ماخورًا كبيرًا يأوي إليه كل ساقط وساقطة على مرأى ومسمع من الناس والشرطة القائمة بخفارة ذلك الشارع، ولمّا عرضت الأمر على مأمور قسم السيدة، تباطأ كثيرًا وهو عالم بحقيقة الشيء، وصرح لي بأن ذلك مباح ولا بأس ما دام أهل الحي راضين.”

ثم يسترسل الشيخ في موضع آخر على لسان ريفي من مركز العياط بالجيزة: “ذهبت إلى نهاية ذلك الشارع فحانت مني التفاتة نحو المشرق فرأيت مملكة مؤسسة لها زعماء فاعترضني بعض خفرائها (وهم جملة نساء) أستجير ولا مجير وأستغيث ولا مغيث، وكان بجانبي رجل من الشرطة المكلفين بحفظ النظام فطلبت منه إغاثتي فقهقه كثيرًا بعد ما أدمى رأسي بلكمة ووجهي بلطمة قائلًا لي: “ألم تعلم أن هنا مملكة مؤسسة وهؤلاء خفراؤها مكلفون بالقبض على كل من يذهب من هذا الطريق”، فقلت له: “وما يريدون مني؟”، فقال: “أنت مجبور إما أن تدفع لهن جنيهًا مصريًا أو …”، فقلت له: “وإن لم يكن معي؟!”، فقال: “تُضرَب”، وأعطاني من نوع الضرب عينة جميلة فشكرته عليها وقلت له: “وبعد ذلك؟!”، فقال: “إما أن تدفع أو …”، فاضطررت لدفع المبلغ المذكور.”

وتتوالى الخطابات على الشيخ وتتوالى ردوده وهجومه على بيوت الدعارة والمسكرات ولعب القمار والملاهي والمراقص بل لا يتورع عن مهاجمة الحكومة قائلًا: “الحكومات المصرية منعت تجارة الرقيق الأبيض، وأعلنت ذلك للملأ رسميًا، لكنها منعته لتحتكره لنفسها، فهي تحمي المتجرين بالرقيق على حسابها وبترخيصها.”

بل وينقل الشيخ عن أحد الكتاب الإنجليز ما نشره في جريدة مصر تحت عنوان (تجارة الرذيلة في القاهرة): “إنك تجد في القاهرة نساء من جميع الأجناس والألوان، إلا أنه ليس بينهن إنكليزية أو أمريكية، تجدهن قابعات في شوارع وحارات خاصة صرح لهن فيها بمباشرة تجارتهن السافلة تحت المراقبة الصحية.

ولقد زرت هذه الشوارع والحارات القذرة لرؤيتها، فرأيت ما لم أره من قبل، رأيت أسفل منظر وقع عليه نظري، ولم أر مثله في الشرق حتى في سنجابوره، تلك البلدة التي أعتبرها الطريق إلى جهنم وهي على ما هي عليه لم أر فيها سوقًا للأعراض مرخصًا بها من الحكومة مثل سوق (الوسعة في القاهرة).

هناك نساء لا عد لهن من جميع الألوان، منهن السوداء والبيضاء والنحاسية اللون، جالسات على أبواب منازلهن ينادين بالعربية كل من يمر ليرينه رخصتهن المصرح بها من الحكومة.

وأخيرًا وصلت إلى منزل كتبت على بابه لوحة باسم الست (فاطمة)، إلا أن ذلك لم يمنع أن يكون صاحبه الحقيقي ومديره رجل اسمه (إبراهيم الغربي). وهذا الرجل، أو شئت أن تقول بحق هذا الشيطان، هو أشنع منظر تراه، وإني أعتقد أنه الرجل الوحيد من نوعه في العالم. إنه يعلن عن مهنته صراحة وله ميزة تميّزه عن زملائه بأنه شرهم.

إبراهيم الغربي أحد معالم مصر السياحية

يذهب السياح إلى مصر لزيارة الأهرام والمقابر وجميع الأماكن المقدسة، ولكنك قلّما تجد بين هؤلاء السياح من يغادر أرض الفراعنة قبل أن يرى دعارة (إبراهيم الغربي).

ولقد جمع كثيرون من التراجمة والمرشدين مالًا وفيرًا بسبب إرشاد السياح إلى طريق إبراهيم الغربي لمشاهدته، كما لو كانوا يرشدونهم إلى طريق الأهرام والآثار المصرية، فلما وصلنا إلى منزل الست فاطمة أو منزل إبراهيم الغربي، وجدناه مُنارًا بالأضواء الكثيرة، ووجدنا العاهرات المرخص لهن جالسات في مدخله، وكان (إبراهيم الغربي) جالسًا بينهن مرتديًا ملابس امرأة، وملوِّنًا وجهه كما تفعل النساء رغم سواده فكان منظره كتمثال أسود.

هذا المخلوق له جلد أسود لامع، وعينان واسعتان سوداوان، يضع على رأسه طوقًا من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة، وتجد ذراعيه عاريتين إلى الكتف، وبهما من الأساور الذهبية الثمينة عدد كبير، ولقد أحصيت ما تحمله الذراع الواحدة منها فوجدت أنها أكبر من أربعة عشر صنفًا من الأساور، وكان حول رقبته عقد من الذهب أهديَ إليه من المعجبين به في الحبشة وغيرها.

ويحمل في أصابعه خواتم عديدة، ويضع في رجليه خلخالًا من الذهب ويلبس على جسمه ملابس مزركشة بالذهب والفضة والترتر ممّا يعكس الضوء فيبهر الأبصار.

هذا هو (إبراهيم الغربي) فهل تراه رجلًا أم أنثى؟

وبينما كنت أنظر إليه مندهشًا مذهولًا، أخبرني مرشدي هامسًا في أذني عن وظيفة هذا المخلوق ومهنته في المجمع البشري، فلم أكد أسمع ما قاله حتى وددت لو أن نارًا وكبريتًا انصبا من السماء على هذا المخلوق فأحرقاه كما حدث ذلك قديمًا لسدوم وعموره.

ولقد مثل لي أن هذا الرجل وحاشيته من العاهرات يفتنّ أعف الرجال، وأشدهم طهارة، ويأخذن منهم نقودهم وحليهم عن طيبة خاطر.

أنهم ينظرون اليه هناك كما لو كان شيئًا خارقًا للطبيعة، أو كما لو كان شخصًا مقدسًا، وسعيد هو من أتيحت له الفرصة أن يلمس جسمه ، هذا شي مخيف، ولكنه الحقيقة بعينها والأغرب من ذلك أنّ العاهرات السودانيات والزائرين السودانيين ينظرون اليه باحترام وخشوع ، كما ينظرون الى قبر المهدي.

وكثير من الوطنيين بجزمون بأنه إذا غضب على كائن من كان فجزاؤه الموت.

وعندى أنه يجب ضرب هذا المخلوق إلهًا كان أم ابليس، نبيًا أم مدعيًا بالكرباج في ميدان عام وأمام الجمهور، أو يعامل كما عامل اللورد كتشنر قبر المهدي في السودان فهدمه وأزاله، وبذلك جعل الناس يقلعون عن أوهامهم وخرافاتهم.

وإنهم يقولون عن هذا المخلوق إنه ذو ثروة طائلة، ونفوذ واسع، تخشاه الناس، ويحبه الرجال، أما الأولاد فيقبلون عليه طلبًا للمال أو النصيحة وهو دائمًا أبدًا على استعداد تام لأن برشد كل من بريد أن يسلك طريق الجحيم. وإن المظهر الذي يظهر به هذا المخلوق أمام الأنظار يعدّ كإعلان عن الفوائد المادية التي يمكن للإنسان أن ينالها من وراء هذه التجارة المنحطة.

ألا يمكن أن يكون هذا أكبر باعث في نفس شاب يرى نفسه أجمل من هذا المخلوق ، فيجعله ينحط الى هذا المستوى، حتى ينعم بالمال والجاه مثله ؟

إن منزل هذا الشيطان هو المركز الرئيسي لأتباعه الذين يعيشون من التجارة بأعراض الفتيات والفتيان الذين يحضرونهم من الخارج أو من أنحاء مصر. ولقد قيل لي أنه نظرًا لنفوذه العظيم، فقد عرض اسمه على الخديوي السابق من أجل أن ينعم عليه برتبة البكوية، وفعلا أمضى الخديوي البراءة بذلك، ولم يعدل عنها إلا بعد أن لفت نظر سموه صديق له إلى مهنة هذا الرجل ومعيشته، فغضب الخديوي من أجل ذلك غضبًا شديدًا.

ويكفي أن تعرف هذه الحادثة حتى تعلم مقدار نفوذ هذا الرجل الذي استطاع أن يصل إلى السراي الخديوية بواسطة ماله وأخيرًا بعد أن علمت من هو إبراهيم الغربي، أو إن شئت أن تقول ملك عمورة، فدعنا نعمل لنهدم ملكة ، ونزيل عرشه.”

انتهى كلام الكاتب الإنجليزي، والعجيب بعد ذلك ما نشره الشيخ في أحد الهوامش نقلًا عن الدكتور فخري ميخائيل فرج في تقريره عن انتشار البغاء والأمراض التناسلية بالقطر المصري، يقول الشيح: “الذي نعلمه أن الحكومة ترخص للغلمان بالدعارة وقد رأينا في تقرير الدكتور فخري إحصائية رقمية لهؤلاء الغلمان لسنة ۱۹۱۷ تقدر بـ ۱۱۱ غلامًا، ولقد بحث المؤلف عن إحصائية أخرى فلم يعثر على مبتغاه لاجتهاد الصحة في منع ذلك خشية التشنيع والفضيحة للبلاد.”

هذا بعض من مجهودات الشيخ لمنع البغاء والدفاع عن الفضيلة في مصر وهو ما أثار حفيظة “المايسترو” في مجلة الممثل فتهكّم عليه.

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات