حرية المرأة في الإسلام 1

حرية المرأة في الإسلام 1

تقليد المرأة التي من أمة معينة لملبس أختها من أمة أخرى، أمر له أهميته، حتى ولو لم يضع الكتاب المقدس لتلك الأمة أحكاما للملبس. على أن هذه الحال .. (عدم وضع الأحكام) ليست في القرآن الذي وضعها وأحكم وضعها تمامً

بقلم: مدام دي سان بوا

(Valentine de Saint-Point)


طلبنا إلى حضرة الكاتبة المعروفة مدام دي سان بوا رئيسة تحرير مجلة فينكس التي تصدر بالفرنسية في القاهرة. أن تتفضل بالتحدث إلينا عن رأيها في المرأة الشرقية عامة، والمرأة المصرية خاصة، وعما إذا كانت –باعتبارها ممن درسوا الحياة الشرقية دراسة تامة- ترى رأى القائلين بالسفور، أم رأى القائلين بالحجاب. وكذلك رأيها عن مسألة الزواج، وما يتصل به من شؤون فأمهلتنا حتى تكتبه، وانتظرنا حتى بعثت إلينا بالموضوع الذي يرى القراء تعريبه بعد.

هكذا تحدثت دي سان بوا

كم من الكلمات المعسولة، تفعل في النفوس فعل الخمر. تظهر بالمظهر والتخيل والأوهام. وخصوصًا في أذهان الناشئة من الشبان والشواب.

فمن أمثلة تلك الكلمات: كلمات الحرية، والمساواة، والتقدم، والمدنية وغيرها …

ونحن الآن سنبحث عن تلك الكلمة الأولى، وأعنى بها كلمة الحرية حسب.

الحرية. هي هذه الأمنية السامية، وتلك الأنشودة العذبة، وذلك اللحن المستعاد، أو هي المثل الأعلى للفرد الذي يأخذ الإنسان بلفظه الساحر فيدفعه إلى الغرور بنفسه. والزج بها حتى تهوي به إلى الحضيض. والحق هو أن تلك الأمنية هي التي تحفر الحفرة العميقة، التي لا قيامة للإنسان منها، إلا حين يتيقّظ شعوره، ويسمو تفكيره. أو على الأقل. حين يفجؤه نور الحقيقة الساطع، فتجعله المفاجأة وجهًا لوجه أمام الأمر الواقع. وكثيرًا ما يكون الواقع مما لا يسر نفوسنا أو ترتضيه عقولنا على أنه مهما يكن من شيء، فإنا مرغمون على قبوله إرغامًا.

مِن هذا نستطيع إذن، أن نقول إن الانسان ليس له نصيب من الحرية مطلقًا. وكيف يكون حرًا في حياته، وهو نفسه مقيد الحرية سواء في مولده أو مماته؟ وكيف تتحقق له تلك الأمنية العذبة، وهو نفسه لا يعرف منها غير القشور.

وإذا أردنا البحث من الناحية الاجتماعية، نجد أن القيود التي قيدت بها حرية المجتمع بشطريه، واحدة في كل حال من الحالات الاجتماعية، وبتعبير أدق، نرى أن تلك القيود، هي بذاتها، الإرادة السامية، والقوة المتسلطة على الوجود الكلى نفسه.

والحرية، إن هي إلا نتيجة إحساس بالشخصية، أو نتيجة شعور بالفردية تخلّصت من بعض قيود دينية أو اجتماعية.

ولقد انبعث في الغرب، هذا النوع من الحرية، حيث ظهر فيه بأبهى المظاهر الخلابة، وأجمل الصور الخدّاعة. ولهذا ارتُكب تحت ستاره، كثير من المظالم الفردية المروعة. ووقع في ظله كثير من الأخطاء الأخلاقية المفجعة ولقد صار هذا النوع الذي يختفي تحت المظاهر الخلابة -سما يسرى في جسم في هذا العصر نفسه الانسانية، حتى يهلكها تدريجيًّا. وهذا هو ما نشاهده في هذا العصر نفسه.

وقد اندفع الغرب بذلك النوع اندفاعًا جنونيًا، وانساق بشرّه المحقق انسياقًا تامًّا، حتى أضحى معروفًا بذلك دون غيره.

وهذا الغرب نفسه هو الذي جلب إلى الشرق هذا العلم الخداع (علم الحرية). الذي يستر بين ثناياه شر الأخطاء وأشد المصائب.

ولقد ضلّ به كثيرون في الشرق، متناسين تقاليده التي كانت سر عظمته وسبب روعته، والتي ليست -كما يعتقد أو يدعي البعض- سبب نومه. ذلك النوم الذي أراه في الحق ليس إلّا نومًا عاديًّا لجنس البشرية التي تخضع بطبيعتها لحكم القوانين الطبيعية، من ليل ونهار. وكما أن الظلام هو ليل الطبيعة، كذلك لابد للمخلوقات من ليل نتمثله في النوم.

ولو فرض أن ثمة فائدة تعود على الشرق من تلك اليقظة التي أرغمه عليها الغرب. فليس يُستنتج من ذلك. وجوب اتباعه وتقليده ومحاكاته. قد يسألني سائل فيقول: وكيف ذلك؟

نقول إن السبب. هو ما تولّد عن تلك الانقلابات أو عن تلك العدوى السياسية، والاجتماعية، والفلسفية، والفنية -في الشرق من عدم التوازن، الذي كان سبيه غرابة تلك الأفكار عنه.

ألم ينشأ عنها أن بَعُدَ الناس عن القرآن تدريجيًا؟ والقرآن هو هذا الكتاب الكريم الكامل. الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، سواء ذلك في أحكام الفرد والجماعة. أو في النفس، والروح، والجسد. أو في علاقة الإنسان بربه وعلاقته بالناس، وعلاقته بنفسه في حياته الخاصة والعامة … إلخ.

 والمرأة تُعتبر في كل زمان ومكان القطب السالب، غير الفعال. ويعتبر الرجل القطب الموجب الفعال، ولكن باتصالهما بعضهما ببعض، يتمّم كلٌّ منهما عمل الآخر. ولهذا تعتبر المرأة دائمًا، الحارس اليقظ الأمين على التقاليد التي تنعكس منها التقاليد الضرورية، المعهود بها إلى الرجل في الحياة الخارجية.

من الحريم إلى صالات الرقص

وقد تأثرت -نوعًا ما- المرأة المسلمة المتحضرة باتصالها بالمرأة الغربية. فأصبحت هي الأخرى تحلم بالحرية وتغبط أختها التركية على انتقالها من الحريم إلى صالات الرقص، وتعلّم فنونه، وتناول شراب (الكوكتيل) بدل شراب الورد.

وفي فرنسا يظهر لها غريبًا جدًّا، أن المرأة الفرنسية لا تذهب إلى أماكن اللهو الكثيرة، مثل “المونمارتر” و “الفولي برجير“، بينما لا يفوتها اقتناء أحدث الملابس لآخر طراز “الموده”. فتستبدل في وقت قصير ملابس غالية القيمة بأخرى تساويها إن لم تكن أقل من الأولى متانةً وتحمّلًا.

وإذا بحثنا مسألة المرأة من ناحية الطراز (الموده) يكون بحثنا سطحيًّا في الواقع، وقد أصبح الطراز بتغيره المستمر، وتبدله الكثير، واهتمام كل النساء -طول حياتهن به- سواء كن صغيرات أو كبيرات، قبيحات أو جميلات -بل وعدم ازدراء الرجل له بسكوته عنه. أصبح هذا الطراز يعد الطابع المشين للزمن والرمز المزري للعصر، فيقال عصر الموده.

والحق أن التغيير، والتبديل، والتخيلات هي الأعداء الخبيثة اللدودة للثبات، والمبادي، والتقاليد.

وإذا كان المؤثر في الانسان، هو ما يسمى بالحياة الداخلية، فلا ينكر أحد أن مظهر الانسان -الذي يرسمه لنفسه تبعًا لقوانين التقليد- له تأثيره البين عليه. وطريقة الأوضاع ليست بدون قيمة في الحق إذ أن الانسان في نهاية تقليده لها، لابد، وأن يشبه ما حاول الظهور به منها.

وتقليد المرأة التي من أمة معينة لملبس أختها من أمة أخرى، أمر له أهميته، حتى ولو لم يضع الكتاب المقدس لتلك الأمة أحكاما للملبس. على أن هذه الحال .. (عدم وضع الأحكام) ليست في القرآن الذي وضعها وأحكم وضعها تمامًا.

يتضح من هذا. أن تمرد المرأة على الملبس -وقلما تكون متعلمة تعليمًا كاملًا- يدلّ على أنها تعانى ثورة أيضا أن تلك فكرية عميقة. ولكن لا ننسى أيضًا أن تلك الملابس التي تصل في قصرها إلى حد فاضح، أمر مؤلم جدًّا للمرأة المسلمة، أكثر من رفعها النقاب، وقد أوصى الرسول العربي بالحجاب. وما كان ذلك منه تفضيلًا، أو مراعاة للطراز الأخير. ولكن أليس يعد خرافة، أن تتبع المرأة المسلمة عكس ما أوصى به الرسول بوضعها على الفم قطعة رقيقة شفافة من (الموسلين) تكاد لا تخفى شيئًا ما أُمر به أن يستر؟

ففي رسالته يعلمنا أنّ النساء يجب عليهن اتباع الحقائق. والحقائق المقصودة من روح الآيات القرآنية الخاصة بملابس النساء لا تعنى إلا ما يلائم الحشمة، ويتفق والبساطة، مما لا يوقظ في الرجال غرائزهم الجنسية.

وطبيعيًّا كان النقاب يُلبس في أيام النبي (ص) وقد كان المقصود منه حماية الوجه، ووقاية العينين من لفحات الشمس، وذرات الرمال المتناثرة. وقد كان هذا النقاب موضع عناية النبي (ص) الذي ما كان ليرتضي أن يرى هذا اليوم الذي تخطر فيه الفتيات المسلمات في الشوارع بقطعة رقيقة من (الموسلين) الشفاف. والتي يضعنها على ثغورهن باسم النقاب ظلمًا. بينما لا تخفى ثيابهن القصيرة شيئًا من سيقانهن الجميلة المغرية. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: “وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”، وقوله: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا”.

السفور

وليست مسألة السفور بذات قيمة في نفسها. . أما الشيء الأكثر أهمية فهو روح التعاليم، التي تأمر بارتداء الملابس المحتشمة التي لا تثير في الرجل غريزته الجنسية.

تلك في نظري هي النقطة الجوهرية. وقد تكون لهيئة المرأة التي تبدو بها ولنظراتها المثيرة، ومشيتها الخليعة – أكثر أهمية في عملها من عمل الملابس نفسها. وأراني مضطرة لأن أصرّح بأن المرأة المسلمة المتحضرة تبدو الآن مثيرة جدًّا.

ويظهر أن امرأة القرية لم تتأثر بهذا إلا قليلًا، وسوف لا تتأثر بالمرأة الغريبة، ولكنها ستقلد سيدتها هانم المدنية التي تتخذها كأنموذج عال تحتذيه.

وقد افتتنت المرأة المسلمة بمظهر الحرية الكاذب الذي لأختها الغربية. وخصوصًا منذ الحرب الأخيرة. ولم تحاول أن تكشف أو تدرك ما يستتر وراء هذه الحرية الجوفاء، ولو حاولت المسلمة ذلك لرأت أنها تملك قسطًا أوفر بكثير مما تملكه الغربية، فهي بفضل عناية النبي، أصبحت مصونة، وبعيدة عن متاعب الحياة، ومقاصد الرجل السيء. وكثير من الآيات القرآنية، يمنع هذا الإجحاف الواقع من الرجل على المرأة. ولنقارن الآن بين حقوق المرأة الغربية وحقوق المرأة المسلمة. ثم بعد ذلك نحكم حكمًا عادلًا دون أن نخطئ القصد … وللبحث بقية.

حرية المرأة في الإسلام (الجزء الثاني)

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات