وكذلك فعل “المشاعلية” وأصحاب “النقرزان” من الإسكندرانية فأخذوا يطوفون بالجماهير المتراصة وهم يرقصون ويطبلون يتقدمهم “بهلوان” يعرض ألعابه المختلفة وقد بسط في يده منديلًا يجمع فيه “النقوط”


احتفل يوم الخميس الماضي بعرض موكب المحمل النبوي والكسوة الشريفة قبل إرسالها إلى الأقطار الحجازية، وقد رافق أحد مندوبي “المصور” هذا الموكب في طوفته ما بين ميدان الرصدخانة والمشهد الحسيني ودون بعض طرائف ومشاهدات ننشرها فيما يلي:
انتهز أصحاب القهوات والمحلات العمومية وبعض أصحاب المنازل وبوابي العمارات الواقعة في طريق موكب المحمل ما بين العباسية وسيدنا الحسين فرصة تسابق الجماهير المتراصة إلى مشاهدة الموكب فعمدوا إلى تأجير المقاعد و “الدكك” أو الشرفات والنوافذ والسطوح بأجور كانت ترتفع وتنخفض تبعًا للموقع ودرجة الإقبال. فعلق أصاحب بعض القهوات “يفطًا” كتبوا عليها “الكرسي بقرش صاغ بدون مشروب” ووقف جرسونات القهوات البلدية ينادون كما يفعل الدلّالون في المزادات قائلين “الكرسي بصاغ واحد يا جدع“.

أما البلكونات والشبابيك والسطوح فكانت أغلى من المقاعد خصوصًا في عمارات “شارع فاروق“، كما عمد كثيرون من أصحاب العربات “الكارو” إلى الوقوف في طريق الموكب لتأجير عرباتهم لنساء الطبقة الثالثة اللواتي أصبغن على الموكب كثيرًا من البهجة بزغاريدهن، التي كانت تتردد بين حين وحين.

وكذلك فعل “المشاعلية” وأصحاب “النقرزان” من الإسكندرانية فأخذوا يطوفون بالجماهير المتراصة وهم يرقصون ويطبلون يتقدمهم “بهلوان” يعرض ألعابه المختلفة وقد بسط في يده منديلًا يجمع فيه “النقوط” وكانوا يهتفون بالسيدات المحتشدات في النوافذ والشرفات صائحين: “عايزين العادة! كل سنة وانتو طيبين!” فكانوا يرمونهم بالنقود حينًا و “بالمكسرات” أحيانًا حتى اجتمع لهم من هذا وذال الشيء الكثير.

وكان أغلب النساء “البلدي” يغنين أغاني الحجاج المعروفة كما عمدت بعض شركات الأدوية وغيرها إلى الدعاية عن بضائعها بإخراج سيارات تحمل إعلانات مختلفة عن هذه البضائع وقد رُكِّب فيها ميكرفون يذيع هذه الأغاني وفي مقدمتها أغنية “يا رايح جدّة على زمزم” التي تغنيها الآنسة “نجاة“…
وتصادف أن كان بعض السيدات يجتزن الطريق إلى العباسية ومن بينهن سيدة تشبه الآنسة أم كلثوم في شكلها إلى حد كبير فما كاد بعض المارة يرونها حتى صاح بعضهم: “أم كلثوم أهه” وسارعوا إلى متابعتها مما أوقع السيدة في ورطة احمرت لها وجنتاها ولما تنبه هؤلاء إلى أنهم كانوا مخطئين قال أحدهم:
وكان موكب المحمل في مجموعه معرضًا للشارات والأعلام المختلفة، فلكل فرقة من أرباب الطرق علمها الخاص وزيها الخاص، فهنا جماعة يرتدون العمائم السوداء ويتشحون بوشاحات سوداء وتتقدمهم طائفة من الأعلام السوداء كذلك، وهناك جماعة أخرى بأعلام خضراء وعمائم خضراء، بينما اختار آخرون اللون الأبيض أو الأحمر وهكذا.

وكان يتقدّم كل طائفة من هذه الطوائف شيخها على صهوة جواد يحيط به حملة الأعلام وبعض رجال طريقته يسندونه من الجانبين ويتقدمهم بعض “أطفال” الطريقة يرددون الأناشيد الدينية كما يشاهَد عادة في الموالد والأذكار.
وكان أغلب مشايخ الطرق الذين اشتركوا في الموكب من الشيوخ والكهول المعممين، لذلك كان من استرعى انتباه الكثيرين أن موكب الطريقة “الخلوتية” كان يتقدمهم طفل دون السابعة وقد لبس ملابس الشيوخ من جبة وقفطان وعمامة واتشح بـ “كوفية” كبيرة كانت تغطي كل جسمه الصغير وهو يتمايل على ظهر حصانه وأتباعه يحيطون به من كل جانب حتى لا يقع أو يختلّ توازنه.
كذلك امتاز أتباع إحدى الطرق الصوفية بأنهم كانوا جميعًا يرتدون الملابس الإفرنجية والطرابيش، حتى شيخهم، ولكنهم كانوا جميعًا يلبسون فوق البدلة العباءة البلدية المعروفة فكانت إحدى المفارقات الطريفة.
وكان من بين الطوائف التي سارت في طليعة الموكب جماعة من “الأفندية” العمال أرادوا أن يسبغوا على أنفسهم روح الفكاهة فلبسوا فوق طرابيشهم “طراطير” من الورق الملون وأخذوا يرددون بعض الأناشيد البلدية المعروفة فكان منظرهم مثيرًا للضحك.
وانتهز بعض نزلاء مصر من السياح الأجانب فرصة الموكب فاستقلوا العربات والتاكسيات ومعهم أولادهم وتراجمتهم وآلات التصوير وخرجوا جماعات إلى ميدان الرصدخانة حيث تفرجوا على المحمل وأخذوا له عدة مناظر فوتوغرافية، وظل بعضهم مرافقًا الموكب حتى نهايته.
وقد سألنا أحد السياح الأمريكيين الذين شاهدوا الموكب عن رأيه فيه فقال إن أهم ما لفت أنظاره أن أغلب المشتركين من أرباب الجلابيب!!
وقد أثار حماسة الجمهور أن فرقة الموسيقى التي كانت ترافق المحمل كانت تعزف النشيد القومي المصري فكان الجمهور يجيبه بالتصفيق الحاد والهتاف لمصر ولجلالة الملك.
وقد حرص الكثيرون من الجماهير المتراصة على جانبي الطريق على التبرّك بالمحمل بمحاولة لمسه لولا أن الحراس كانوا يمنعونهم من الاقتراب منه. ولكن أحد هؤلاء الحراس كان ظريفًا إلى حد أنه كان يلمس الكسوة بيده ثم يلوح بها للجمهور كأنما ينثر عليهم ما فيها ويوزّع عليهم البركات.
وراحت إحدى السيدات تؤكد لزميلتها أن المحمل هذا العام أبهى منه في العام الماضي فردّت عليها سيدة عجوز وهي تقول: “أمال إيه!! ده جلالة الملك ربنا يحميه لشبابه ويوعده بزيارة النبي أمر إن الكسوة تكون من أحسن صنف، ودفع الفرق من جيبه!! ربنا يخليه ويطول عمره ويجعله من السعدا والكسبانين …”


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات