لقد كان موته رحمه الله وطيب مضجعه وثراه في يوم السبت 6 رمضان سنة 1312 هجرية الساعة 8 أفرنكي وخمس دقايق بالآستانة العلية

خبر الوفاة

نعق غراب البرق بخبر وفاة المرحوم اسماعيل باشا الخديوي الأسبق فاستمطر سماء الحزن وأثر تأثيرًا عظيمًا في القلوب وكان له وقع شديد على النفوس وجلب شديد الأسف ومزيد اللهف على العائلة الخديوية والأمة المصرية وهيج من الجميع الشجون وأجرى من مآقيهم ماء العيون.
كيف لا وهو خبر موت الأمير الخطير الذي كان في مصر صاحب الأيادي البيضاء والمآثر الغراء التي اعجز الوصّاف عدها وأفردها المؤرخون في ترجمته بتآليف وحدها، ولذلك نضرب صفحًا عن إثباتها بهذه الجريدة اكتفاءً بما ألفته وما نشرته الجرائد اليومية من تفصيلاتها.
ولقد كان موته رحمه الله وطيب مضجعه وثراه في يوم السبت 6 رمضان سنة 1312 هجرية الساعة 8 أفرنكي وخمس دقايق بالآستانة العلية بقصره (أميرجون) الذي كان قد شاده بها أيام مجده وعزه غير ظان أنه يعود إليه ويموت فيه عقب مرض استحكم داؤه وعزّ دواؤه وشفاؤه ونفذ بموته حكم الله فيه وقضاؤه ثم حملت جثته الشريفة من الآستانة إلى مصر على الباخرة (فيض رباني) ليدفن بمدفنه الذي أعد له بمسجد القطب الرفاعي.

ولقد وصلت هذه الباخرة بجثته الشريفة إلى الإسكندرية في يوم الاحد ثم احتفل بتشييع جنازته من سراي راس التين في يوم الاثنين إلى محطة السكّة الحديد والقطار الذى يحمله إلى العاصمة احتفالًا عظيمًا ذكرت الجرائد المعتبرة اليومية ترتيه ووصفت حسن نظامه بما بهر بالوصف وحير بمشاهدته الألباب والطرف، كيف لا وهو مشهد مشت فيه حضرات أمراء العائلة الخديوية وحضرات العلماء الأعلام والنظار الكرام وقناصل الدول العظام ورجال الحكومة الفخام وفي صدرهم الجناب العالي الفخيم وغيرهم من الرجال الذين زادت منهم الصفوف على أعداد ألوف الألوف.
ولقد كان قيام القطار الذى حمل جثة المغفور له من الإسكندرية في الساعة خمسة وعشرة دقايق من يوم الاثنين ووصوله إلى القاهرة في الساعة عشرة وخمسين دقيقة ثم بقيت الجثة الشريفة بالمحطة ليلة الثلاثاء في غرفة أفردت له بها يجرسها الحرس المعد لها وقضى الفقهاء هذه الليلة كلها يقرأون القرآن حولها.
وفي يوم الثلاثاء كان الاحتفال بجنازته من ميدان محطة السكة الحديد إلى جامع القطب الرفاعي الشهير في موكب لم يرَ أهل مصر مثله ولم يسبق لخديوي مات قبله، وإنه المشهد العظيم الذي جمع بين أعاظم الرجال وحاز من الوقار والإجلال ما تكل عن وصفه عبارات الأقلام مشى فيها الجناب العالي على قدميه من المحطة إلى (الأوبرة) ولما وصل النعش الشريف إلى جامع السلطان حسن صُلي به عليه ودُفن في مدفنه المعد له ثم ساروا بعد الدفن يتبادلون عبارات التعزية ويقدمون مفروض الدعاء ببقاء سمو الخديوي الأفخم وجميع عائلته الكريمة.
وعاد كل يذكر ما كان للمغفور له رحمه الله من المآثر والآثار آسفين على فراقه باكين على موته وتركه وحده وحيدًا فريدًا في هذا القبر لا أنيس له ولا جليس معه غير ما له من الصدقات والحسنات وما كان يفعله من أعمال المبرّات ذا كرين هول الموت في هذا الحين وأن نسيانه لضلال مبين ولقد عز على الأقلام التي كانت تعطر الصحائف بمدائحه وتذكر ما له من الآثار التى شيدها بمصره وافتخر بها على ملوك عصره أن ترثيه في هذا اليوم وأن تستبدل المداد دموعًا والصحائف خدودًا والهناء عزاءً على هذا الذي فجع بموته الجود الحاتمي ورزئ بفقده العلا وإنه الموت ما أصعبه وأشده.
صوارمه كما قيل لامعة وقوارعه قارعة وطلائعه طامعة وفجائعه قاطعة وسهامه نافذة وأحكامه بنواصي جميع المخلوقات آخذة. لا يبقي ولا يذر ولا ملجأ منه ولا وزر، يؤتم الأبناء ويفقد الأمهات والآباء ويهدم اللذات ويفرق الجماعات ويشتد على الأرواح بأسه ويدور في الأتراح والأحزان كأسه.
لا يدع عزيرًا ولا ذليلًا ولا يخشى عظيمًا ولا حقيرًا ولا يترك كبيرًا ولا صغيرًا، وهو الحق المكروه الذي تتساوى فيه الملوك بالمملوك، فكم دارت عليهم به دوائره ودهمتهم عساكره وناهيك بالأمم الخالية في القرون الماضية، فهل ترى لهم من باقية، غير عظام بالية، وجسوم متلاشية، وكفى به واعظًا من القهار لكل ظالم وجبّار وإنّ لدقة الحساب في يوم المآب ما تطيش له الألباب وتخضع له الرقاب. فعلى كل عاقل أن لا يمطل في العمل ويغترّ بفسحة المهل ولا ينسى هجوم الأجل، جعلنا الله من آثر الدار الأخرى واستقصر عمر الحياة الدنيا، وأحسن الاستعداد للمعاد بمنه وكرمه.


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات