ذكريات من إيطاليا 1

ذكريات من إيطاليا 1

دأ كل منهم يقتنص فريسته، ولكنى رأيت عن كثب صفًا من عربات الخيل كثيرة الشبه بأمثالها في الإسكندرية، غير أنها تمتاز كغيرها من العربات في إيطاليا (بعدادات) تعدد الأجرة على نحو ما في السيارات بالبلاد الأخرى

بقلم: زكي محمد حسن

(عضو بعثة وزارة المعارف)


سيراكيوز – نابلي – بركان فيزوف – يومبي – روما

في الساعة الثانية بعد ظهر يوم السبت، أخذت السفينة تمخر بنا عباب البحر عائدة إلى أوربا، وأخذ شاطئ الإسكندرية يغيب عن أنظارنا شيئًا فشيئًا إلى أن تلاشى، وأصبحنا بين زرقتين: زرقة الماء، وزرقة السماء.

خمسون يومًا من عطلتي الصيفية قضيتها في مصر، رأيت تطورًا في الحياة الاجتماعية، لست أدرى ما مداه: رأيت في البعض ميلًا للتفرنج ونبذًا للتقاليد، وفي آخرين تهورًا في ذلك ومبالغة فيه، ورأيت فريقًا يرقب الحوادث عن كثب، وليس يدري أي الطريقين يسلك، ولا أي الخطتين يتبع.

ولن أعرض اليوم لهذا التطور، ولكنى أود لو تنبه القوم إلى أن تقليد الغرب -دون تبصر أو روية- سوف يكون وخيم العاقبة، وسوف يؤدى بنا إلى انهدام الأسرة والزواج كأسّين من أسس الحياة الاجتماعية في مصر، وفي المشاهدة أكبر دليل، ففي بلد دينها المسيحية كإنجلترا تدل الاحصائيات الرسمية قبل الحرب على وجود نحو ٦٠٠ قضية طلاق في العام، بينما بلغ هذا العدد في العام الماضي نحو ٤٠٠٠، ذلك عدا نحو ٢٠٠٠٠ قضية يمنح فيها الزوجان حق الانفصال.

وقصارى القول أن الحرية الكبيرة والامتيازات الجمة التي حصل عليها نساء الغرب -بعد الحرب الكبرى- تجعله يئن الآن تحت عبء داء اجتماعي كبير، وتهدد بالقضاء على الزواج كنظام اجتماعي محترم ونظرة واحدة إلى عامة الشعب وطبقاته الوسطى في فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، تؤيد قولنا كل التأييد.

ظلت السفينة تسير بنا في بحر هادئ، ومضى الوقت سراعًا إلى أن كان ظهر يوم الاثنين حين لاحت لنا في الأفق جزيرة صقلية، ولم يمض وقت طويل حتى وقفت بنا الباخرة (اسبيريا) على مقربة من سيراكيوز (ثغرها الشرقي الذي يرجع تأسيسه إلى عام ٧٣٥ قبل المسيح، والذى اشتهر في الحروب البونية، بين روما وقرطاجنة في القرن الثالث قبل الميلاد، حين انتهى الأمر به إلى الخضوع لروما بعد دفاع باسل كان من ابطاله (أرشميدس) صاحب النظرية المعروفة في علم الطبيعة، والذي يدعون أنه توصل بواسطة مرايا تعكس ضوء الشمس وتركزه إلى أن يحرق سفن العدو على بعد.

و (سيراكيوز) شهيرة بآثارها القديمة وأنقاضها اليونانية، ومن ثم تقف الباخرة في (مينائها) ساعتين، يتاح فيهما لمن يريد من الركاب أن يستمتع برؤية هذه الآثار، ولما كانت الباخرة كبيرة، فإنها تضطر إلى أن ترسو في عرض البحر على أن يأتيها زورق بخاري ينقل هؤلاء الركاب إلى الشاطئ، ثم يعيدهم إلى الباخرة بأجرة قدرها نحو ١٣ قرشا للراكب الواحد.

وما وطأت أقدامنا أرض (سيراكيوز) حتى أحاط بنا جمع من التراجمة والأدلاء، ولم يكن هذا أول عهدي بهم: فقد عرفتهم قبل ذلك في (البندقية) ثم أخيرًا في (نابلي) و (روما)، وهم في (إيطاليا) كلها طائفة يجب على الأجنبي أن يكون على حذر منها، فإن شعارها: الإلحاح، والخديعة، والطمع.

بدأ كل منهم يقتنص فريسته، ولكنى رأيت عن كثب صفًا من عربات الخيل كثيرة الشبه بأمثالها في الإسكندرية، غير أنها تمتاز كغيرها من العربات في إيطاليا (بعدادات) تعدد الأجرة على نحو ما في السيارات بالبلاد الأخرى، ولما كنت لا أثق كثيرًا بما يقوله أمثال هؤلاء التراجمة، فقد رأيت أن أعتمد على القليل الذي أعرفه من اللغة الايطالية، وعلى الدليل الإنجليزي الذي أحمله، فركبت إحدى هذه العربات، وطلبت إلى السائق أن يسير بي إلى متحف المدينة، ثم إلى مناطقها الأثرية.

وانطلقت العربة تسير بنا في شوارع مدينة كثيرة الشبه بمدن الشرق: شمسها مشرقة، وشوارعها مرصوفة بالأحجار، أهلها سمر البشرة، وليس فيها من الجمال والروعة ما يشعرك بأنها جزء من أوربا، ولا سيما إذا لا حظت سطوح بيوتها المستوية، وسكانها البسطاء، و عرباتها (الكارو) وغير ذلك، وانتهى بنا المطاف إلى دار الآثار فأعجبت بما تحويه من تحف أثرية، ثم واصلنا السير إلى ضواحي المدينة، حيث المنطقة الأثرية وفيها أنقاض المدينة القديمة، وأهمها مسرح كبير محفور منذ عهد الرومان في الصخور إهليلجي الشكل، يبلغ قطره نحو ١٤٠ مترًا، ثم مسرح (إغريقي) وعدد من محاجر صخرية شاهقة إلى جانبها حديقة غناء وكهوف كبيرة، أحدها مشهور بتركيبه العجيب الذى يسبب صدى لما يصدر فيه من كلام أو أصوات، حتى لقد يجمع الحارس فريقًا من السياح، ثم يبدأ في الكلام، رما هي إلا يضع ثوان بعد كل كلمة أو حركة من السياح أو من الحارس حتى يسمع صداها واضحًا جليًا.

ثم انتهت بنا الزيارة إلى الدهاليز المشهورة في باطن الأرض (Catacombs) وهنا مثلها في نابلي وروما وباريس، ولم تكن في أول الأمر الأولى إلا محاجر مهجورة، ولكنها خصصت بعد ذلك لدفن الموتى، وكان المسيحيون يأوون إليها في عصور الاضطهاد ويستطيعون فيها القيام بطقوسهم الجنائزية ودفن موتاهم بدلًا من حرقهم، كما كان الحال عند الوثنيين.

وأخيرًا عدت إلى الباخرة، وأقلعت بنا ميممةً شطر (نابلي) حيث نهاية رحلتي فيها، ولما كنت أحرص على أن أرى (نابلي) تظهر في الأفق، وأن أرقب دخول الباخرة (ميناءها) فقد بكرت في الساعة السادسة من صباح الثلاثاء في الصعود على ظهر الباخرة، وكان منظر المرتفعات يتوجها بركان (فيزوف) ومنظر (نابلي) على سفح هذه المرتفعات بمنازلها طبقة فوق أخرى على شكل مدرج، بعضها في مستوى أبنية الميناء، وبعضها معلق فوق المرتفعات يطل أصحابه على باقي المدينة، وعلى البحر الأبيض … أقول كان كل ذلك وغيره مما يضيق المجال عن وصفه مصدقًا لما في اللغات الأوربية من أمثال معناها “إن مت قبل أن ترى نابلي فقد فاتك كل شيء“، وفى المثل الانجليزي See Naples and die.

وفي الساعة السابعة رست الباخرة في ميناء (نابلي)، فتركتها إلى الجمرك، ولم تمض ساعة من الوقت حتى كنت في غرفتي بأحد الفنادق أعد العدة لزيارة المدينة، ولم أكن أدري بأي الأشياء أبدأ، فرأيت أن أركب عربة طافت بي أهم شوارع المدينة، وكانت تسير أحيانًا سيرًا حلزونيا، لا ألبث معه أن أراني في طريق عال يطل على آخر أقل منه علوًّا، وهكذا حتى سطح البحر، ولم يكن يسعني حين ذلك إلا أن أترك العربة بين حين وآخر برهة من الزمن لأمتع فيها الطرف بمنظر خليج (نابلي) وطرقاتها، وحدائقها، وميادينها العديدة، ونافوراتها الجميلة.

وفي (نابلي) كما في روما تتمثل الحياة الايطالية بأجلى معانيها: مرح الأهالي وخفة روحهم، ونهضة جديدة يريد بها هذا الشعب أن يقتعد مكانه بين أمم أوريا الكبيرة، ولكنك إن دققت النظر، فلابد قانع بأنك لا زلت قريبًا من الشرق تشاهد كثيرًا من عاداته، وقد يتاح لك أن ترى أناسًا حفاة الأقدام لباسهم رثّ وعلى وجوههم سيماء البؤس، وإن كانوا لا يشعرون، ولست أنسى أني أقمت في (لندن) وفي غيرها من مدن (إنجلترا) مدة طويلة، ولا أذكر أن نظري وقع فيها على صبى حافي القدمين.

ولفت نظري في (نابولي) وفى (روما) بعد ذلك، نظام في عربات الترام و (الأتوبيس)، هو أن لها بابين: أحدهما لدخول الركاب والآخر لنزولهم، ومهما يكن من شيء فوسائل الراحة فيها ليست موفورة، والمقاعد على نحو ما في باريس أكثرها خشبي غير مريح تجعلنا نحمد أهل لندن على عرباتهم ذات المقاعد الوثيرة والدرجة الواحدة.

زرت بعد ذلك متحف (نابلي)، فوجدته غنيًا بعادياته وأكثرها مما اكتشف في حفريات (بومبي Pompei)، وفي اليوم التالي كان طوافي بأكثر الآثار المشهورة والكنائس القديمة مما لا يتسع المجال لوصفه أو الاحاطة بجماله.

أما اليوم الثالث فقد خصصته لزيارة بركان (فيزوف) وأطلال (بومبي)، ومن ثم بكّرت إلى المحطة لاستقل قطارًا يسير في ضواحي (نابلي) –على نحو خطي المطرية وحلوان في القاهرة– ولكن جيوش التراجمة والأدلاء أحاطت بي إحاطة السوار بالمعصم: هذا يكلمني بالإيطالية، وذاك بالإنجليزية، وغيرها بالفرنسية، ورابع يمنيني بالوعود، وآخر يريد إطلاعي على ما يحمله من خطابات الشكر وبطاقات المديح.

ولم أستطع النجاة من إلحاحهم إلا حين افهمتهم أني أدرس الآثار، وأني على استعداد لأن أشرح أطلال المدينة لمن يريد منهم ذلك -وهكذا ركبت القطار إلى (بومبي) بعد أن اشتريت أيضًا تذكرة تصدرها شركة (كوك) لزيارة قمة بركان (فيزوف)- وسار القطار بنا في ضواحي (نابلي) وإلى يميننا البحر الأبيض، وعن يسارنا المرتفعات البركانية، وعلى سفوحها مزارع الكروم.

ووصلنا (بومبي) بعد ساعة وبضع دقائق، وتبعت غيري من السواح إلى عامل يقيد أسماءنا ويفحص جوازات السفر، ومن ثم يتقدم كل منا للسير بين أطلال المدينة، والذي يلاحظه السائح: أن الحكومة الإيطالية تبذل جهدها في جذبه إلى بلادها وتغريه بالتسهيلات المختلفة، فهي لا تتقاضى منه رسمًا للتأشير على جواز السفر، ولا أجرًا لزيارة المتاحف أو الأبنية الأثرية، بيد أنها تطلق عليه جيوش التراجمة والإدلاء وتظلمه بتعريفة مرتفعة لأجور الفنادق ونفقات السفر والانتقال، يدفع فوقها ضرائب نسبية وغير ذلك.

أما (بومبي) فكانت في عهد (الرومان) مدينة صغيرة سكانها ثلاثون ألف نسمة، يهرع إليها أغنياء الرومان لقضاء وقت الراحة، ولكن ثوران بركان (فيزوف) سنة ٧٩م، ردمها تحت طبقات من الرماد، فأصبحت نسيًا منسيًا إلى أن كان عام ١٧٤٧، حين وجد أحد الفلاحين تماثيل في أنقاضها، فبدأت أعمال الحفر وظلت حتى أيامنا هذه، وتمكن القوم من إزاحة التراب عن خمسي المدينة.

ذكريات من إيطاليا (الجزء الثاني)

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات