كيف يعيش الرئيس الجليل سعد زغلول باشا في بيته؟

كيف يعيش الرئيس الجليل سعد زغلول باشا في بيته؟

الرئيس يتعلم الالمانية والانكليزية على يد وصيفته
زعيم الامة والقراءة والكتابة ، والخطابة – هل يطالع الرئيس جرائد المعارضة – سعد على المائدة

بقلم: أحد الصحفيين


برنامج اليوم العادي

 لا ينام دولة الرئيس الجليل سعد باشا زغلول قبل الساعة الحادية عشرة مساء ولا ينام أكثر من خمس ساعات.

غير أنه ينام بعد الغداء نحو ساعة ونصف ساعة وعند ما يستيقظ في الصباح يبدأ بشرب القهوة ثم يفطر، وبعد ما يفرغ من الأكل يشرع في ارتداء ملابسه.

ودولته يحلق ذقنه بنفسه، وفيما هو يحلقها يملى على سكرتيره مقالة، أو يصغى إلى ما يتلوه عليه من الرسائل، أو يحادث من يتفق وجوده معه في الغرفة.

وفى نحو الساعة العاشرة قبل الظهر ينزل دولته إلى مكتبه، ويمكث فيه عشر دقائق على الأكثر، ثم يطلب سيارته، ويخرج للنزهة، مستصحبًا معه غالبًا صاحب المعالى فتح الله باشا بركات أو صاحب السعادة على الشمسي بك.

وقد يرافق دولته أحيانًا بعض من يختصه من الزائرين، وإلا فيخرج منفردًا، وفي هذه الحالة يرافقه خادمه الحاج أحمد إلى جانب السائق ويتنزه دولته عادة في الجزيرة، أو الجيزة أو حدائق القبة، وإذا أحس عند وصوله إليها براحة في جسمه نزل من سيارته ومشى قليلًا، ثم عاد إلى مركبته، واستأنف نزهته.

ومتى آب دولته إلى بيت الأمة، جلس في مكتبه، واستقبل زائريه جماعات جماعات، فيحادثهم عن الحالة السياسية في دوائرهم وأقاليمهم ويسمع شكواهم، ويرشدهم إلى المسلك الذي يحسن بهم أن يسلكوه، والمنهج الذي ينبغي عليهم أن ينهجوه.

وقد لوحظ أن السواد الأعظم من زائري الرئيس الجليل يلثم يده مع أن دولته يحاول دائمًا أن يستردها قبل أن يتمكن مصافحه من لثمها.

ويصافح دولته الداخلين عليه وهو جالس مراعاة لصحته وعملًا بإشارة أطبائه، ولم ير منتصبًا إلا لأفراد معدودين، ولكبار زائريه من الأوربيين، وهو لو شاء أن ينهض لكل زائر من زائريه، لأنهك الأمر قواه، اذ أنه لا يقابل في اليوم العادي أقل من أربعين زائرًا أو خمسين، وهذا علاوة على الوفود التي لا يقل عدد أعضاء الواحد منها عن أربعين شخصاً أو خمسين أيضًا.

ويظل دولة الرئيس في مكتبه حتى منتصف الساعة الثانية بعد الظهر، وأحيانًا لا يغادره قبل الساعة الثانية، ثم يدخل قاعة الطعام مع من يدعوه إلى الأكل معه من أخصائه.

ولا ينزل دولته إلى مكتبه بعد الظهر في الأحوال العادية، بل يمضى وقته بقراءة جرائد المساء، واستقبال زائريه الخصوصيين الذين يزورونه في مكتبة الداخلي في الطابق الأول أو في الطابق العلوى، وفي هذا الوقت، أي بعد الظهر، تجرى المباحثات السياسية الخصوصية بينه وبين أعضاء الوفد أو بين الهيئات السياسية لأخرى التي يعمل الوفد معها.

ويقضي دولته جميع أوقات الفراغ بالمطالعة وهو يؤثر أن يقرأ لنفسه على أن يقرأ غيره له.

وصيفة سعد باشا

ولدولة الرئيس الجليل وصيفة المانية اسمها “مدموازيل فريدا”، وهي على جانب عظيم من التثقيف العلمي والخلقي، وليس أدل على جنسيتها وإخلاصها من شدة دقها في عملها وتفانيها في أداء الأعباء الملقاة على عاتقها، ومن ألطف ما يسع الكاتب أن يرويه عنها في هذا الصدد أن عندها كشفًا بأسماء الأدوية التي يتعاطاها دولة الرئيس والمواعيد التي يجب عليه أن يتناولها فيها، وهي ترجع إلى هذا الكشف في كل ساعة من ساعات النهار حتى إذا أزف موعد تناول دواء من الأدوية المقررة لدولة الرئيس، حملته إليه وأعطته إيه، وكثيرًا ما يتفق في تلك اللحظة أن يكون دولته منهمكًا في مكتبه بمسائل سياسية هامة فلا يكاد يلمح المدموازيل فريدا قادمة إليه حتى يشير اليها بأن تنتظر قليلًا، فتصبر على الباب نصف دقيقة ثم تستأنف سيرها في داخل المكتب حتى تبلغ مجلس الرئيس وتقدم إليه الدواء فيغدو أمام الأمر الواقع، ويضطر إلى تناوله منها.

الرئيس يتعلم لغتين

ذكرنا آنفًا أن دولة سعد باشا يقضى أوقات الفراغ بالمطالعة، ونزيد هنا أنه لا يطالع في معظم الأحيان إلا كتبًا المانية وإنكليزية وهي دائمًا كتب تاريخية أو فلسفية أو قانونية وقد تعلّم دولته مبادئ اللغة الانكليزية في إبان نفيه في جبل طارق، أما الألمانية فتعلمها على يد المدموازيل فريدا بعد عودته من المنفى، وهو لا يزال إلى الآن يقرأ عليها ما يطالعه من الكتب في هاتين اللغتين فتصحح له لفظه وتساعده على ترجمة ما يتعذر عليه فهمه.

وقد تروق لدولته، أحياناً، قطعة مما يقرأه فيترجمها ويحفظها بين أوراقه أو يرسلها إلى إحدى الجرائد لنشرها بإمضاء مستعار.

الزعيم والنهضة الفكرية

غير أن انصراف دولة الرئيس إلى مطالعة الكتب الألمانية والإنكليزية لا يمنعه عن مطالعة الكتب الفرنسوية في القانون والسياسة والتشريع، وهو يرقب أيضًا باهتمام وعناية فيطلبها ما ينشر من الكتب الحديثة في مصر فيطلبها ويتصفحها، ومن ذلك أنه قرأ أخيراً كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ مصطفى عبد الرازق وأبدى عليه انتقادات كثيرة كما أنه قرأ كتاب “في الشعر الجاهلي” للأستاذ طه حسين، وقد يرجع أحيانًا إلى أشهر الكتب العربية القديمة في اللغة والأدب.

المدموازيل فريدا

وقبل أن نستطرد إلى ما يلى من الكلام تذكر كلمة أخرى عن المدموازيل فريدا فنقول: إنها هي التي تتولى النظر في أوراق دولة الرئيس الخاصة وترتيبها وحفظ الخطابات العائلية وتنسيقها والإشراف على حسابات البنوك ومراجعتها.

سعد باشا والجرائد

اذا جيء الدولة الرئيس الجميل بطائفة من الجرائد المحلية فيبدأ بمطالعة الجرائد المعارضة منها ويراجعها من أولها إلى آخرها ممعنًا في كل منها خبر من أخبارها وهو لا يستوعب من الجرائد غيرها، ثم يتناول سائر الجرائد فيقرأ أولًا الأخبار الخاصة بالوفد ثم يطلع على الأخبار الأخرى، واذا كان لديه متسع من الوقت قرأ الصفحات الادبية والعالمية والمقالات عن أحوال البلدان الأجنبية.

وهو يقرأ جريدة “الإجبشن غازيت” الإنكليزية يوميًا، ولا يقرأ من الجرائد الفرنسوية بانتظام إلا “البورص الاجبسیان” و “لسبوار” وقد يقرأ “الجورنال دي كير” أحيانًا ، أما “الليبرتيه”، فإن دولته أمسك عن قراءتها منذ أصبحت لسان حال حزب الاتحاد.

وإذا تصفّح دولته جريدة ما وأعجبته مقالة فيها فيقول بالفرنسوية “سی تریه بیان” (أي حسن جدًا) أو يقول “برافو” وهنا نقول إن حديث دولته مع زائريه لا يخلو من كلمات فرنسوية غير أنه يعقبها حالًا بترجمتها العربية.

سعد باشا والكتابة

ويميل دولة الرئيس الجليل إلى الكتابة عقب قراءة الجرائد عادة فيرجو من زائريه أن يدعوه وحده حتى إذا انصرفوا أكب على كتابة “مسوداته” ثم يملى ما كتبه على سكرتيره، وهو إذا أراد أن يكتب مقالة مهمة أو نداءً خطيرًا أكثر من تنقيح المسودة وربما أبدل العبارة الواحدة غير مرة. ودولته يتحرّى دائمًا الأسلوب الصحيح والكلمات العربية الأصلية، وإلى جانبه على الدوام معجم “أقرب الموارد” وقد يستعمل أحيانًا “لسان العرب” وهو شغوف بإطلاع أعضاء الوفد، ومن يتفق وجوده من أصدقائه الخصوصيين، على ما يكتبه قبل إعطائه للنشر، ويتقبل دولته الملاحظات والانتقادات بصدر رحب ولو صدرت عن سكرتيره ما دام يقتنع بصوابها وصحتها، وهذ ينقض تمام النقض ما كان خصوم دولته يدّعونه عليه، من تشبثه برأيه، وعدم إصغائه إلى ملاحظات غيره.

ويكتب دولته غالبًا بالقلم الرصاص، أما إذا كان جالسًا إلى مكتبه فيكتب بالحبر.

سعد باشا والخطابة

ولا يعد سعد باشا من خطبه إلا الرسمية منها فيكتبها أولًا ثم يتلوها على الجمهور، وهذا نادر جدًّا، إذ أن معظم خطبه ارتجالية. وإذا زاره وفد ما وخطب فريق من أعضائه بين يديه، أمسك دولته بقلمه ودوّن على ورقة أمامه بعض مذكرات عمّا يقوله الخطباء ثم يتناول موضوع تلك المذكرات في رده.

وليس أسوأ وقع في نفس دولة الرئيس الجليل من إشارة الأطباء عليه بعدم مغادرة وأعوانه غرفته، إذ أنه يميل إلى ملاقاة أصدقائه وأعوانه والتحدث مع زائريه ومريديه ولكنه يحل رأي أطبائه فوق كل رأي له وهو يحترمهم ويحبهم ويطيعهم إطاعة عمياء ولا يتناول دواء ما من دون إشارتهم أو استئذانهم وقد تجلى شعوره هذا نحو أطبائه في الشهادة الغالية التي شهدها أخيراً لحضرة صاب العزة النطاسي الشهير على بك إبراهيم.

وعندما ينا عليه سكرتير الرسائل التي يرسلها اليه مريدوه يتمنّى الشفاء له يقول دولته “آمين” ثم يتفوه بكلمات شكر وثناء على هذا الشعور الشريف.

سعد باشا على المائدة

لا يأكل دولته على المائدة إلا الأكل الخاص الذي يشير عليه به أطباؤه، وأما ضيوفه فتُقدّم إليهم الألوان العادية، وهو يتعهدهم بالكلام طول مدة الطعام غير مميز بين كبيرهم في وصغيرهم حتى يكاد المدعوون ينسون أنهم في حضرة سعد زغلول باشا ويُخيّل إليهم أنهم إلى جانب أخ لهم في مقامهم ومستواهم.

ولا يتكلم دولته على المائدة إلا في السياسة وقد يستطرد أحيانًا إلى ذكر حوادث قديمة لها علاقة برجال السياسة الحاليين، وهو يصغي إلى حديث كل واحد من الحاضرين مدة الأكل بقطع النظر عن سنه ومقامه، ولا تستغرق مدة الأكل أقل من ساعة، وكثيرًا ما يستبقي دولته مدعويه نصف ساعة أخرى يشربون في أثنائها القهوة ويستكملون الحديث.

هذا اذا كان دولة الرئيس معافىً، أما إذا كان منحرف الصحة وملازماً غرفته الخصوصية فيؤتى له بالطعام إليها على مائدة صغيرة فياً كل وهو يتجاذب أطراف الحديث مع زائريه. أما إذا كان وحده فيملى على سكرتيره مقالة أو رسالة، أو يصغي إلى ما يتلوه عليه من الرسائل أو ما يعرضه من المسائل.

سعد باشا والدخان

ودولة الرئيس الجليل لا يدخن على الإطلاق وهو يكره رائحة الدخان وكثيرًا ما يطلب إلى زائريه، أو يكلف من يطلب إليهم أن لا يدخنوا في حضرته مراعاة لصحته وامتثالًا لمشورة أطبائه.

ومما يحسن ذكره هنا أيضًا أن سكرتير سعد باشا لا يدخن أيضًا وهو يكره رائحة الدخان كرئيسه.

ولا يعرف دولة الرئيس الجليل للتعب اسمًا أو معنى في ساعات العمل، وكثيرًا ما عمل في الظروف العصيبة إلى ما بعد الثانية بعد نصف الليل مستبقيًا معه سكرتيره، وبعدما يعملان ساعات برمتها يلتفت إليه دولته ويقول له “لا تؤاخذني، أنا جبار” ثم يكلفه أن يخرج قليلًا ويتنزه على البلكون ليسترد نشاطه وقواه.

سكرتير سعد باشا

أما سكرتير سعد باشا الذي ورد ذكره آنفًا غير مرة فهو الشاب الأديب الفاضل والأستاذ العامل محمد إبراهيم الجزيري وهو لا يزال في السابعة والعشرين من عمره وقد تلقى علومه الابتدائية في مدرسة عثمان باشا ماهر ثم دخل مدرسة القضاء الشرعي في سنة ١٩١٣ وبعدما نال شهادة قسمها الأول في سنة ١٩١٨ انتقل إلى قسمها العالى وحصل على الشهادة العالمية في سنة ١٩٢٣ وقد اعتقل قبل حلول موعد امتحان شهادة العالمية بنحو شهرين في سجن الأجانب وحان موعد الامتحان وهو مُعتقل فيه فسمح له بتأديته في السجن تحت إشراف ضابطه الإنجليزي فأدّاه رابط الجأش ونجح فيه نجاحًا باهرًا حيث كان ترتيبه السادس بين الناجحين.

وفى سنة ١٩١٦ -أي لمّا كان طالبًا بالقسم الأول في مدرسة القضاء الشرعي- التحق بقسم الآداب بالجامعة المصرية ودرس فيه آداب اللغة الفرنسوية مع سائر الدروس المقررة في ذلك القسم. وفي سنة ١٩٢٠ أدّى الامتحان النهائي له ونال شهادة الليسانس في الآداب من الجامعة المصرية.

وقبل حصوله على شهادة العالمية بعام ونصف عام قامت في مدرسة القضاء حركة ترمي إلى إنشاء مجلة قضائية شرعية فانتخب أصحاب الشأن لتنفيذ هذه الفكرة واحدًا من المتخرجين وواحدًا من الطلبة وهو الأستاذ الجزيري فتعاونا معًا على إصدار مجلة “القضاء الشرعي” وكان الأستاذ الجزيري صاحب امتيازها وقررت وزارة الحقانية الاشتراك فيها منذ ظهورها لجميع المحاكم الشرعية وبعد سنة ونصف سنة من ظهورها عُيّن زميله إمامًا لمفوضية مصر فى رومية فاستقل هو بأعبائها ولا يزال يوالى إصدارها إلى اليوم.

وقد ظل الأستاذ الجزيري منذ سنة ١٩٢٠ إلى حين تخرجه مندوبًا عن مدرسته في اللجان العليا للطلبة وممثلًا لها في كل حركة سياسية يقوم بها الطلبة وممّا يُؤثَر عنه أنه قدم استقالته من المدرسة غير مرة لناظرها المرحوم عاطف باشا بركات لأن بعض الأجواء المحيطة به في المدرسة لم تكن توافق ميله السياسي وشعوره نحو الحركة الوطنية التي قام بها الوفد.

وبعد تخرجه من القسم العالي بالمدرسة التحق بقسم التخصص فيها في أول عهد إنشائه ولكنه ما لبث أن استقال منه بعد أربعة أشهر تقريبًا إذ دعي إلى القيام بأعمال سكرتارية الوفد المصري وكان ذلك في أول عهد وزارة الشعب فأحسن أداء مهمته ولما اعتزل الرئيس الجليل الحكم على إثر الاعتداء على السردار اختاره ليكون سكرتيره الخاص فأخذ يؤدى العملين معًا وهو حائز لرضاء سعد باشا خاصة وعطف أعضاء الوفد عامة.

والأستاذ الجزيري يتكلم الفرنسوية وله ذوق سليم وشغف بالموسيقى ويعزف على العود والبيانو وقد تحلّى بخير الخصال والآداب التي يجدر أن يتحلّى بها الذين في عمل هام كعمله والذين سيكونون رجال الغد.

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات