والتفتت ذات اليسار لترى خيول السباق . والسيارات . والعربات . فلم تجد إلا “زريبة” فيها جحش “أزعر” وجمل نحيل ضئيل، وجدي وبعض الماعز والخراف … تم جلست إلى مائدة الطعام لتناول طعام الغداء عند “صفار الشمس” مع “الحجة مسعدة” حماتها …


أتوسل للأسر الصديقة التابعة “للزواج المختلط” أن تحسن الظن بي! … أعرف أن السعادة تخيم عليها ولكن الشاذ لا حكم له -وأعرف أن الفضيلة وطيدة الأركان في دورها ولكن النادر لا قيمة له!!
ما هو “الزواج المختلط”؟!
هو أن يتزوج المسلم . الحنبلي . المصري . الشرقاوي مثلًا – بإنكليزية . بروتستانتية . سكسونية …
أو أن يتزوج القبطي . الأرثوذكسي . الفرعوني – بفرنسية . كاثوليكية . أوربية …
هو “سكالانس” في الدين و “سكالانس” في الجنسية و “سكالانس” في العادات القومية؟!!
يغادر الشاب المصري وطنه العزيز إلى انكلترا . أو فرنسا . أو ألمانيا … ليتعلم!
هو يعلم أنه من عائلة متوسطة . رقيقة الحال .. ويعلم أن والده المزارع البسيط جمع تكاليف السفر ومصاريف التعليم من عرق الجبين، وجهد السنين … بل ربما كانت من يهودي بنكير بكمبيالة وفوائد … يعلم كل هذا ويفهمه جيّدًا … ومع ذلك تراه إذا هبط “لندن” أو “أدنبره” أو “باريس” أو “برلين” وعاش في جو “الرقص” و “التنس” و “الشاي” و “البيانو” نسي والده المنحوس، ووالدته التعسة … ونسي قريته الحقيرة بتلالها، وحميرها، ومصاطبها، وسباخها، وأخذ يفكر في الزواج من “مس” فلان و “مدموازيل” فلانة … حتى إذا قدّر له النجاح أو الفشل وانتهت مدة إقامته في أوروبا عاد إلى مصر حليق “الشنب” يصطحب معه “فتاة” تتكلم بلغة غير لغة أهله، وتدين بدين غير دين عشيرته، وتتقيّد بعادات تناقض عادات قومه!
لا تظلموا بالله عليكم الفتاة الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية إذا حضرت مع مصري إلى مصر …
مسكينة هي: فرضت في ذهنها البسيط أن “المصري” الذي يأتي من الشرق إلى اوروبا للتعلم لابد أن يكون غنيًّا.
وأغلب الطلبة “نتّاشون” . “فشّارون“! هي قرأت حكايات ألف ليلة وليلة … فتصوّرت أن خطيبها المصري من أنداد “هارون الرشيد” . وأخذ الطالب المصري يخدعها ويفهمها أن والده من كبار الأغنياء أصحاب المقاطعات في الريف … وأن عندهم غابات للصيد والقنص وخيولا للسباق … وأن السراي الريفية لا تقل عن قصر القاهرة ولا عن “فلا” الإسكندرية في الجمال والبهاء … وأن الخدم والحشم والجواري البيض والسود لا يحصى لهم عدد ولا يحصر … وأن عمه وزير وخاله مدير … بهذا وذاك ازدحم فكر الفتاة بالخيالات، والتصورات، وسبحت في بحار الأحلام فقبلت فكرة الزواج متلذذة مغتبطة حتى دنا ميعاد السفر إلى مصر فركبت الباخرة ووصلت إلى الإسكندرية أو بورسعيد …
وصل الزوج المصري والزوجة الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية … فأخذها إلى القرية لزيارة والده ووالدته وعماته وخالاته … نظرت الى الأمام فلم تجد إلا منزلًا حقيرًا مبنيًا بالطوب “النيّ” … والتفتت إلى اليمين فلم تجد إلا “شونة” للفراخ والبط والكتاكيت … والتفتت ذات اليسار لترى خيول السباق . والسيارات . والعربات . فلم تجد إلا “زريبة” فيها جحش “أزعر” وجمل نحيل ضئيل، وجدي وبعض الماعز والخراف … تم جلست إلى مائدة الطعام لتناول طعام الغداء عند “صفار الشمس” مع “الحجة مسعدة” حماتها … و “الحجة شلباية” عمة زوجها … وباقي البنات والأبناء، فأتوا لها بـ “أنجر” الفت . وقذف الجميع بأصابعهم في الصحون …
حتى إذا انتهت الزيارة الريفية عاد الزوج المصري بزوجته الأوربية الى القاهرة فأسكنها “شقة” ضيقة واصطدم معها بالأزمة وبالإفلاس!!
هي ساخطة . هي بائسة . هي غير سعيدة!
هو ساخط . هو بائس . هو غير سعيد
خلفت منه “بنتًا”:
بدأ الشجار حول (الاسم) … هي تريد تسميتها “ماري” وجد البنت يريد تسميتها “ست ابوها” …
بدأ الشجار حول (اللغة) … هي تريد تلقينها “الإنكليزية”، وهو يريد “العربية” …
بدأ الشجار حول “الدين” … هي تلقنها تعليمات السيد المسيح . وهو يريد تعليمات سيد المرسلين
تبددت الأحلام …
انفرجت مسافة الخلف فلم يبق إلا الانفصال!
أخذت “ابنتها” الأنجلو-مصرية وأبحرت.
وتركت في مصر “هارون الرشيد” يعود كاسف البال، ملطخ الجبين، إلى قصوره الحقيرة . وعشيرته المتواضعة . يبحث عن زواج جديد . وإنما عن زواج وطني قومي مصري يحتفظ فيه الزوجان بكرامة الوطن -كرامة اللغة- كرامة الدين …


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات