أما النساء فإني أكره منهن الخلاعة الزائدة في الأزياء. تلك التي تتعارض والقواعد الصحية والمالية والشرع الإسلامي والذوق. ولست من أنصار الحجاب الكلى. وإنما أبيح للمرأة كما يبيح لها الشرع. أن تكون سافرة الوجه واليدين، لما في ذلك من المزايا التي أهمها أنها …

(مؤرخ وسياسي مصري)

إن لكل من الشرق والغرب تقاليد وعادات يتأثر بها ولا يستطيع عنها نزوعا لما مر عليها من قرون وحقب، واصطلح عليها من ظروف ومؤثرات. وليس الخير في أن يأخذ المرء بتقاليد قومه وينطبع بطابعهم جملة. أو يرغب عن تقاليدهم وطابعهم جملة إلى غيرهم.
وليس يخفي علينا أن للشرق تقاليده وعاداته المتناقلة الموروثة. كما أن للغرب كذلك. وليس يعزب عنا أن من هذه العادات وتلك التقاليد الحسن والضار. والرجولة الكاملة العاقلة ليست في أن ينقاد الشخص إلى تقاليد الشرق أو الغرب انقيادًا تامًا. ولكنها في المزج بين تقاليد الاثنين واستصفاء ما هو أنفع وأجدى.
وإنه لمن الجمود والتعصب عندي أن تقف بالمرء في دائرة ضيقة وأمام أفق محدود، فلا تدعه يضرب في طريق التقدم والترقي. ولذلك فإني من أنصار المزج بين الحضارتين والأخذ بما في كليهما من الفضائل. فذلك وحده طريق الرجولة الكاملة. وليس يختلف اثنان في أن الغرب قد سبق الشرق بأشواط بعيدة في ميدان الحضارة والتقدم. ولذا وجب على الشرقي أن يأخذ عنهم فضائل هذه الحضارة. يأخذ عنهم العلم المهذب المصفى والاقتصاد والعناية بالصحة ومعرفة الواجب والمحافظة على الوقت واستثماره في النافع، والثقة المتبادلة والصدق والأمانة. وغير ذلك من الصفات التي جاء بها الشرع الشريف ولا تتنافر وتقاليدنا، والتي كان من إهمالها ما نحن عليه من الضعف والتأخر. كما يجب علينا أن ننأى بجانبنا عن سيئ العادات شرقيًا كان أم غريبًا.
ويحرنا هذا الموضوع إلى مسألة (الزي) وهي مسألة خطيرة لأنها جزء من القومية. والغريب أنك لا تجد كالشرق عامة وكمصر خاصة، أمة تختلف فيها الأزياء اختلافًا كبيرًا. فأنك تكاد تجد لكل طائفة زيًا خاصًا، ولباسًا يميزها من سائر الطبقات. وعندي أن أحسن الأزياء ما كان اقتصاديًا صحيًا يقدرك على العمل في راحة ونشاط. ولقد تسرب إلينا الزي الإفرنجي وذلك عادة سيئة أخذناها عنهم دون تبصر أو تدبر. فإنه علاوة عن أنه يكلفنا الأثمان الباهظة. ضار بالجسم.. فمثلًا غطاء الرأس “الطربوش” نفهم أنه مفيد لمن يعيشون في البلاد الباردة لما يكسب رؤوسهم من الدفء. أما في مصر وجوها صحراوي حار. فإنه لا يقي العينين ولا الرقبة من الشمس. كذلك القميص المنشّى و(الكرافات( رباط الرقبة. لا أرى لهما فائدة، بل بالعكس فإنهما يضايقان الجسم.
ولقد ابتكرت زيًّا كاملًا للصيف، اقتصاديًا عمليًا صحيًا. ولبسته. ولكن بكل أسف لم ترق هذه البدعة في أعين من رآها لأنها ليس لها من الأناقة ما لغيرها. وترجو أن يكون هناك في المستقبل من يرجع إلى هذا الزي بالتنقيح والتجميل حتى يصير مقبولًا.
أما النساء فإني أكره منهن الخلاعة الزائدة في الأزياء. تلك التي تتعارض والقواعد الصحية والمالية والشرع الإسلامي والذوق. ولست من أنصار الحجاب الكلى. وإنما أبيح للمرأة كما يبيح لها الشرع. أن تكون سافرة الوجه واليدين، لما في ذلك من المزايا التي أهمها أنها تقلل من لهفة الرجل على المرأة وأن يكون من ذلك حارس لها عن الزلل. لأنها بسفورها تكون معروفة، وشعورها بمعرفة الناس لها يعصمها عن الخطأ. كما أن السفور يسهل على طالب الزواج أن يرى من يريد أن تكون شريكة له في حياته كما تراه. ولا يخفى ما في ذلك من منع المشاكل التي طالما قامت على عدم الرؤية، ولست مبتدعًا. فقد جاءت الشريعة الغراء بذلك. حيث عرض أحد الصحابة على الرسول أمر زواجه فأوصاه بقوله “انظر إليها فأنه أحرى أن يؤدم بينكما”
وإن ما يبتدعه النساء من أمور “الزار” والعويل في الجنازات وغيرهما لعادات قبيحة يجب العدول عنها.
ولست أرى أن يتشبه الرجل بالمرأة وينافسها فيما خصتها به الطبيعة من صفات ومميزات. بل أرى أن يكون رقيقًا في شهامة. وديعًا في رجولة. وإن المرأة ليعجبها من الرجل الرجولة بكامل معناها. لا التأنث والترهل. لأنها لا تريد بجانبها امرأة أخرى تسابقها في صفاتها.
والتعديل الذي أراه أن نأخذ من الغرب ما لا يتنافى مع المدينة الشرقية. سواء كان من جهة الشرع أو العرف. وأفضل الوسائل عندي: عمل مؤتمر يسمى مؤتمر العائلة الاسلامية، وفيه يبحث عن العادات الحسنة والضارة، ثم يقرر الصالح منها، ويعدل ما يلزم تعديله بحيث لا يختلف مع الشرع والتقاليد الشرقية.
وبعد فإن الغرب برقيه المادي والفكري لا يستغني عنه الشرق. لأنه متمم له ولا غنى لأحدهما عن الآخر وإن اختلفت الأديان. وإنه أصبح من مصلحة الانسانية أن يكونا صديقين متضامنين في خدمتهما لا خصمين عاملين على شقائهما ؟


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات