تقليد المرأة التي من أمة معينة لملبس أختها من أمة أخرى، أمر له أهميته، حتى ولو لم يضع الكتاب المقدس لتلك الأمة أحكاما للملبس. على أن هذه الحال .. (عدم وضع الأحكام) ليست في القرآن الذي وضعها وأحكم وضعها تمامً

(Valentine de Saint-Point)
طلبنا إلى حضرة الكاتبة المعروفة مدام دي سان بوا رئيسة تحرير مجلة فينكس التي تصدر بالفرنسية في القاهرة. أن تتفضل بالتحدث إلينا عن رأيها في المرأة الشرقية عامة، والمرأة المصرية خاصة، وعما إذا كانت –باعتبارها ممن درسوا الحياة الشرقية دراسة تامة- ترى رأى القائلين بالسفور، أم رأى القائلين بالحجاب. وكذلك رأيها عن مسألة الزواج، وما يتصل به من شؤون فأمهلتنا حتى تكتبه، وانتظرنا حتى بعثت إلينا بالموضوع الذي يرى القراء تعريبه بعد.

نشرنا في الجزء الأول من المعرفة القسم الأول من مقال حضرة الكاتبة الفاضلة نصيرة الشرق والشرقيين مدام دي سان بوان، وقد تناولت فيه الكلام عن معني الحرية وأثرها في الغرب وانتقال ذلك الأثر الى الشرق، والانقلابات التي نتجت عن محاكاة الشرق وتقليده للغرب، ومنزلة كل من الرجل والمرأة من الآخر، وتأثر المرأة المسلمة بالمرأة الغربية ومسألة الزي و (المودة) والسفور والحجاب، وموقف الشريعة الإسلامية من ذلك كله.
والآن ننشر القسم الثاني، وفيه تتناول السيدة الكلام عن الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والصداق وحقوق المرأة والعمل المنوط بها… إلخ.
المحرر
الزواج
لقد حرمت المرأة المسلمة حق اختيار زوجها الذي ترتضيه، وذلك لأنه لا يسمح لها برؤية خطيبها قبل الزواج، ومع أن النبي (ص) لم يأمر بذلك فإن هذا أصبح عادة واجبة الاتباع. على أن العادات كثيرًا ما تتغير.
لكن. هل حقيقة تختار المرأة الغربية زوجها؟ الواقع المشاهد هو عكس هذا تمامًا إذ اختيار الزوج أمر لا يقع إلا في أحوال نادرة جدًّا، والنادر منطقيُا لا حكم له، بل أكثر مما تقدم أن أمر الزواج يفرض على المرأة الغربية فرضًا تامًا، وذلك إما بحكم العلاقات العائلية أو الثروة المادية أو المركز الاجتماعي، أو ظروف أخرى كثيرة من هذا القبيل، وإذن افاختيار الزوج لا حقيقة له، وإنما هو وهم وخيال إذ يبنى على مصالح عائلية بحتة.
والذين درسوا مسألة الزواج جيّدًا، يرون أن الزيحات المختارة المبنية على الحب أو ما يسمونه زواج الحب تفقد بهجتها بعد وقت قليل، وعلى الخصوص إذا لم تراع فيها الاعتبارات الأخرى التي تثبت دعائم الزواج.
في الممالك الكاثوليكية لم توجد فكرة الطلاق إلا في هذه الأيام الأخيرة وهذا حينما اعتبر الزواج المدني قانونيًا، لأن المذهب الكاثوليكي يعتبر الزواج رابطة مقدسة لا يمكن أن تفصم عراها بأية حال.
وليس الزواج في الإسلام مقدسًا (بذلك المعنى الكاثوليكي الذي يفهمه الإفرنج من كلمة مقدّس) ولهذا يقع الطلاق كثيرًا، ويكون في معظم الحالات لصالح الرجل، لكن يجب ألا يغرب عن بالنا أن حقوق المرأة المسلمة محافظ عليها بأقصى ما يستطاع. فقد قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ” (الآية).
وقد راعي الإسلام وجوب الاحتفاظ بالمرأة حتى ولو كانت فاسقة. فقد فرض للأخيرة ملجأً خاصًا لها في المنزل حيث قال تعالى: “وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا”.
فهل توجد هذه الحقوق لغير المسلمات؟ كلا ثم كلا.
يعيب البعض على الإسلام مسألة تعدد الزوجات، ولكن الإسلام في الحق خلو من هذا العيب، وبرئ من تلك التهمة. فهو لم يفرض ذلك فرضًا وإنما أباحه فقط، وذلك لأن الزمن الذي كان فيه النبي (ص) كان للرجل العربي عدة زوجات غير محدودات العدد، فجاء الإسلام مقللًا منهن بتحديد عددهن فقال تعالى: “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا”، وكذلك قال تعالى: “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا”.
وتعدد الزوجات ليس قانونيًا في البلاد الغربية. لكن هناك ما هو أشد وأنكى إذ توجد فيها صلات غير شرعية بين الرجل والمرأة ما تزال شائعة يرون ألا غضاضة فيها، حتى أن الأخلاقيين أنفسهم لا ينكرونها بل يعتبرونها حقًّا للمرأة، وقد جعل للرجل في البلاد الأوربية امتياز في الزواج كالموجود في البلاد الاسلامية، وقد تسبب من تلك الصلات الشرعية أن أصبح الأطفال غير الشرعيين يعتبرون من أبناء الأسرة.
وفي الوقت الذى نجد فيه أن مبدأ تعدد الزوجات قد بدأ يتلاشى تدريجًا، نجد في أوربا عكس ذلك تمامًا، وخاصة بعد الحرب الأخيرة، التي فني فيها عدد كبير من الرجال، فأصبح النساء في كل قطر يفقن كثيرًا عدد الرجال، ونجد أن هذا المبدأ بدأ يذيع فيها -ولو أنه غير قانوني- إلا أن الناس هناك بدأوا يرونه ضرورة لازمة.
ولكن الإسلام الذي هو دين الفطرة، والذي بني على أحسن الأسس، وجاء ليقرر لكل فريق ما يناسبه من تعدد الزوجات بشرط القدرة والعدل في المعاملة. أباح وسهل ذلك لتكاثر النسل، وارتباط المجموع بالمصاهرة. مع العلم حدد ذلك بحدود لا تُتعدّى.
الصداق في الغرب غيره في الشرق. ففي الدين المحمدي قرر على الزوج أن يدفع لزوجه مبلغًا من المال لإصلاح شأنها وقضاء لوازمها وهذا مناقض جد التناقض لتلك العادة عند الغريبين. فالمرأة عندهم هي التي تدفع قيمًا تختلف بحسب الثروات، وهو ما يسمونه (دوطة) أي مهر. ومن تمام مهمة الزواج في الإسلام أن يبقى للزوج في ذمة زوجها ثلث الصداق تتقاضاه منه بموت أو طلاق أو غيرهما، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ” (الآية). وقال تعالى في السورة نفسها: “وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا”. ولقد تسخر عظيم السخرية، بل وتزدرى المرأة الغربية بالمرأة المسلمة في هذا الموقف الذي تعتبره الأولى أنه عبارة عن مساومة بيعًا وشراءً، كأن الزوج أعطاها ذلك القدر من المال لشرائها، أو أنه استخلصها لنفسه متاعًا كبقية أمتعة أثاث البيت، وهي واهمة في ذلك، فليس ذلك المهر إلا معونةً وحقًا فرضه الشارع للزوجة كما بينا آنفًا. بينما أن المرأة الغربية بدفعها (الدوطة) تعتقد أنها تشترى زوجها. إذ في أوربا تعطى المرأة الصداق لزوجها حتى إذا طلقت صار ملكًا لها. هذا إذا لم يكن الزوج سرقه قبل ذلك؟ وهو غير مكلف بأن يوضح أوجه صرفه لزوجه. هذا إذا كان عقد الزواج عقدًا شرعيًا كما يحدث أحيانًا. أو عقدًا عرفيًا.
أكثر من هذا أن للمرأة المسلمة حق امتلاك وإدارة ثروتها الخاصة بها. كما أن المحكمة تأخذ بشهادتها في القضاء ولها الحق أيضًا –إذا أمكنها– أن تشغل وظائف كثيرة لم تكن منحت للغربيات، ولم يحصلن عليها إلا تدريجًا، منذ سنوات قليلة بخلاف المرأة الغربية فإنها تظل تحت وصاية زوجها. فليس لها الحق في استلام دخلها أو فتح حساب لها في المصارف حتى ولا يمكنها أن تودع فيها حليها بدون أخذ تصريح من زوجها. وإذا كانت أرملة. أو مطلقة واحتاجت لعمل مثل هذه الإجراءات فعليها الحصول على أوراق رسمية كثيرة تثبت مركزها.
هذه بعض أمثلة لحقوق المرأة الغربية التي تحسدها المرأة المسلمة المتحضرة عليها. وقد كان النساء في أوربا قبل الحرب، وعلى الأخص في المدن الصغيرة قلّما يخرجن منفردات من المنزل. بل كن يبقين دائمًا داخله وقد وضعت المرأة الغربية نصب عينيها التسلط على رب العائلة، وهذا أقل ظهور عرفت به كيف تملى على الزوج إرادتها.
أجهدت الحرب الأفكار وتغلغلت عادات الشعب الأمريكي -الحديث العهد الذي ليست له تقاليد- في أوربا وأثرت فيها حتى غيرت كل شيء وبعبارة أخرى كان الفرق قبل الحرب ضئيلًا بين حياة المرأة المسلمة والمرأة الأوربية. فكان لكل منهما مكانها الطبيعي في المنزل، وللمرأة المسلمة على الأخص امتيازات أكثر. والآن فللمقارنة بينهما يجب أن نلاحظ انتشار صالات الموسيقى والسينما والرقص، وغير ذلك، ثم الملابس القصيرة الفاضحة، وكل هذا الترف الذي لا يعد من الجمال الروحي في شيء والذي ما هو إلا مظاهر خداعة وأبهة كاذبة وإن كانت في نظر بعضهن من أهم الملاذّ.
ولكن ماذا يستتر وراء كل ذلك؟ إنه جشع لا نهاية له للمال، ولإطفاء شهوة الحرية والحقوق، ولإجابة هذه الرغبة تخلّص النساء من وصاية أزواجهن وقيّدن أزواجهن بقيود أخرى كانت أثقل من الأولى وجعلن أنفسهن عبيد العمل والراتب، وحياة الكسب والآلات، وأصبح على الكثيرات منهن أن يخضعن لرئيس العمل، بدل أن كن يخضعن للزوج والأب، وأن يحبن كل رغباته حتى لا يفقدن وظائفهن. يحدث ذلك بينما العالم لا يزال يتمشدق بمحو الرقيق، وقد نسي أن المرأة العاملة لا تمتلك أقل نصيب من حريتها.
ولأجل أن يستر الناس هذا العار بستار من المظهر الجميل أذاعوا ما يسمى (شرف العمل) وكلمات أُخَر جوفاء، وأين ذلك الشرف؟ أفي العمل الإرغامي المرهق الذي يؤدى إلى المصالح المادية؟ أفٍّ له من شرف أفإذا اضطر الأنسان للعمل فوجب عليه الخضوع لكل ما يرغم على عمله، له أن يفخر به؟ لقد مضى الزمن الذي كانت تستعمل فيه القوى العقلية والروحية استعمالًا شريفًا فإن حياة الكسب لا يمكن أبدًا أن تكون مثلًا أعلى يتخذه النساء. بل ما هو إلا إرغام مرهق، والمرأة المسلمة تعرف ذلك حق المعرفة.
وذلك الاندفاع من المرأة على ميدان العمل خارج المنزل، وهو ما اضطر إليه الكثيرات منهن، لم ينتج غير الخسارة وخلق صناعات عديمة الفائدة تساعد على ضياع المال، ومزاحمة الرجل في عمله ثم استحالة وجود عمل للكثيرات ولا يخفى ما في ذلك من إجهاد قوى المرأة العقلية والجسدية معًا. بخلافها في منزلها فإنها كانت مقسمة للعمل بينها وبين الرجل تقسيمًا طبيعيًا. فعليه كسب المال، وعليها تدبير أمور المنزل. ولكنها باحتلالها مكان الرجل في الحياة الخارجية (ولا تنس أن البوليس النسائي بدأ ينتشر) صارت مقيدة الحرية في واجباتها نحو أطفالها ومنزلها، ولم يكن لديها من الفراغ ما يكفي لتنظيم حياتها الداخلية، كما كانت المرأة فيما سلف تجمع حولها وقت فراغها كل أفراد الأسرة: بعضه للمسامرة والآخر للقراءة، وجزءاً لباقي العمل حسب النظم المنزلية في جميع الأسر كل على حسب عاداته، وما يلائم أفراد الأسرة على حسب الميول والأهواء.
وقد يعترض البعض بأنه لا يزال هناك نساء يجدن أنفسهن مقيّدات بالتقاليد الماضية، ولكن الشخصيات القوية لا يمكن أن تختنق. فقد وجدت مثل هذه الطبائع في كل العصور. ولم تُشرَع القوانين للشواذ، ولكن للحالات المطلقة. فكم ألوف من النساء العاملات لا يعادلن امرأة واحدة نبغت في علم أو فن. أو حصلت على بطولة ما، وكيف يمكن أن يسرن في العمل الآلي إلى ترقية المدارك العقلية؟ في هذا العمل المذكور ليس الذكاء ضروريًا للمرأة إلا في حالات نادرة جدًّا. أليست الكتابة على الآلة الكاتبة طول النهار، بل طول الحياة مكدّة للذهن أكثر من الحياكة وتنظيف المنزل وهما نوعان من العمل اليدوي لا يمنعان العقل من التفكير والتخيل؟ أوليس العمل الآلي قد أضاع التعمق في العلم والتخصص فيه؟
واختصارًا فإن كل ما يولد الجاذبية في المرأة المسلمة المتحضرة في هذه الأيام، إن هو إلا مخلّفات فاسدة خلفتها الحرب الماضية للمرأة الأوربية، فكانت من أهم الأسباب لذيوع (المودة) بين النساء ودخولهن ميدان العمل اليدوي في المصانع الكبيرة. كما كان لها أيضًا أثر غير مباشر في انتشار الصور الفاضحة في (السينما) مثل مناظر النساء العاريات أو القبلات المثيرة. وهل ثمة ما هو أكثر إفسادًا للأخلاق وهدمًا لدعاماتها من تلك الفضائح الذائعة التي تستتر باسم الفن؟ والنفس بطبعها لا تميل إلى الجديد في أول الأمر كل الميل. فاذا ما تذوّقته تدريجًا صار في النهاية محببًا إليها.
ليس الإفراط في اللهو بذي خطورة عظيمة لأن الخطأ الواضح من الممكن أن يفكر الإنسان في إبعاد صغار السن عنه، ولكن ثمة ما هو أعظم خطرًا، وهو ما يستتر تحت اسم الدراسة والفن، وبهذه المظاهر التي تحيط به وتدعو إلى احترامه، ينتشر ويعم تدريجًا بوسائل خفية كالداء المعدي الشديد الخطر.
إن التربية الغربية لا تلائم أبناء الشرق بحال ما، كذلك الفنون الغربية لا توافق المزاج الشرقي مطلقًا، وما يقال عن هذين يقال عن الحياة الشرقية التي لا يمكن أن تبنى على أسس غربية.
للعالم الإسلامي تقاليده وعاداته التي تلائم روحانيته العالية وعقليته الفذة وطبائع شعوبه وأجواء أقاليمه. وإن الشعب الذي يقلّد ما هو مخالف لطبيعته يفني نفسه تمام الفناء، ولقد يعتبر جريمة نقل بزور العقلية الغربية المركبة إلى أرض الروحانيات والعقلية الخالصة الطاهرة، وهذا الاعتبار حق تمامًا، إذ أن ذلك جريمة ضد الشرق بل ضد الانسانية ولو أمكن للشرق أن يحمي نفسه من تلك الإباحية وهاته الفوضى الأخلاقية، التي تنتشر في الغرب فإنه ينقذ النوع الانساني كله.
وهذا ما ينبغي للمرأة المسلمة أن تتيقظ له، فتغلق بابها عن كل ما يأتي من العادات الأجنبية التي تأتى من الخارج، كما يجب عليها أن تتعلم التعليم الشرقي البحت لتكون خير رفيق لزوجها ولتعرف كيف تحفظ أبناءها وبناتها من ذلك الاندفاع الأعمى الذي كان له أسوأ الأثر في الغرب والذي كاد يقتل الشرق قتلًا.
ولتمنعهم من أن يصيروا كما صار كثير من أبناء المصريين الذين لم يأخذوا من الغرب إلا عيوبه، ولم يحتفظوا من الشرق إلا بنقائصه، والذين أدى هذا الخلط بين العادات بالكثير منهم إلى الانتحار وعلى الأخص فئة الطلبة.
أولًا – أول واجب على المرأة المسلمة أن تحتفظ بقواعد دينها الحنيف وتقوي إيمانها السليم، وتطيع شريعتها السمحاء، ولتعلم أن إبقاءها على جزء من تقاليد قومها غير كافٍ البتة، خصوصًا وهي على وشك السقوط في هاوية التقاليد الغربية، فإذا أرادت إنقاذ نفسها فعليها بالرجوع إلى كل التقاليد الشرقية الخالصة، ولتعلم كل العلم بأني أقصد الكل لا البعض لأن البقاء على البعض دون البعض الآخر ليس له قيمة مطلقًا.
أما رأبي فيما يحب عمله لمقاومة الإباحية الغربية، فهو ينحصر في أن يقام صرح الأخلاق الشرقية على أسس ثابتة ودعائم قوية من تلك الشريعة السمحاء التي جاء بها النبي العربي محمد بن عبد الله (صلعم) واضحة نقية طاهرة بينة، ، والتي استخرج منها كل القوانين التي تصلح لأمته وأسس لها التقاليد التي أنتجت للإسلام عظمته.
وعلى النساء الشرقيات أن يدرسن علم التاريخ بتوسع. وحينئذ سيعرفن تمام المعرفة أن الشعب الذي كانت له تلك العظمة وكان له ذلك الماضي المجيد، يجب ألا يجعل نفسه مطية لمدنية أخرى أقل من مدنيته، أو يقتفي أثر حضارة فقدت مثلها الأعلى منذ آخر العصور الوسطى، والتي بنسيانها للمبادئ القديمة صارت متميزة بتغلب روح الفردية الشريرة التي نتجت من انتشار العلوم التجريبية المادية والتي أغرقت العالم في بحار الترف المادي، وجعلته معولًا لهدم كل قديم فيه.
ويجب على المرأة المسلمة أيضًا أن تدرس الفنون الاسلامية الحقة لا الإفرنجية الزائفة، وإذن فلا تقيم في دار من تلك الدور التي تبنى على طراز (المباني الأمريكية) بل تسكن القصور الكبيرة، أو الدور الصغيرة المقامة على الطراز الشرقي البديع. كذلك يحب ألا تؤسسها بتلك العرائس المضحكة، أو الأدوات الغربية المستعملة، أو تزينها بتلك الصور التي لا توقظ في نفس الشرقي شيئًا ما من روح الفن، بل يجب عليها أن تتخذ أثاثاتها وزخارفها ذات الشكل الشرقي الساحر التي يستبدلها الآن كثير من الناس بمثيلاتها الغربية دون تبصّر، أو تفهّم للحقائق، وإنما تبعًا للتقليد الأعمى المرذول.
كما يجب عليها أيضًا أن تحتفظ بملابسها الخاصة كامرأة شرقية وأن تحتفظ بعاداتها وطريقة مأكلها، فإذا تعلّمت وأرادت دراسة فن الرسم مثلًا، فلا تلتفت إلى تلك اللوحات المائية الغربية، بل توجّه همتها إلى نقش الآيات القرآنية وتسعى في إتقانه وتعمل على اتخاذها قبسا تهتدى بنوره، أو تنسج السجاد وتزينه بالنقوش الاسلامية.
أليس هذا عملًا أكثر نبلًا من الكتابة على (الآلة الكاتبة) أو كتابة مراسلات الأعمال، أو الانزواء ساعات محدودة داخل مكتب ما ؟ أليس عملها في البيت أشرف مقصدًا وأنبل غاية، من أي وظيفة تشغلها في الخارج، ولو كانت من أهم وظائف المرتبة الأولى؟
وأخيرًا فإن الأوضاع مهما كانت والقوانين مهما اختلفت فيجب ألا ننسى أن القدر السيء يوجد في كل زمان ومكان، وذلك لأن الأنسان ليس معصومًا من الخطأ، وكما يوجد الحظ السيء يوجد إلى جانبه السعادة التامة.
والخلاصة هي أن للحرية مظاهر مختلفة والانسان لا يكون حرًّا إلا عندما يتخلص من القيود الاجتماعية التي تحيط به ولا يصير حرًّا إلا إذا تمتّع بالسلام والهدوء.
وفي ظل (الحريم) يوجد الهدوء والسلام، والنساء المسلمات إذا شغلن فراغهن تبعًا للتقاليد الإسلامية يصبحن أصحاب النفوذ في المنزل وهذا ما فقدته المرأة تقريبًا في البلاد الأوربية. وينبغي أن يعرفن أن فوق القوى المادية توجد قوى أخرى نبيلة عالية تتسلّط على المادة وتسمو على كل ما هو مادي، تلك هي روح الحقائق الباطنية.
فهل لنساء الإسلام أن يكن حاثّات على القوى العلوية وهل لهن أن يعرفن أنه لا يمكنهن أن يجدن الحرية إلا في الكائن الباطني؟
هذا رأبي أجملته لمجلة المعرفة التي أرجو لها كل نجاح وفلاح.
(المعرفة) تتقدم إلى حضرة السيدة الفاضلة (مدام دي سان پوان) صاحبة البحث بجزيل الشكران على عظيم عنايتها بطرق هذه الموضوعات الحية، وتوفِيَتها لها بحثًا وتنقيبًا، وغيرتها على الشرق ونسائه، ونسجل لها بمداد الفخر والإعجاب آيات الثناء وخالص المدح.
ولا عجب في هذا إذا علمنا أن حضرة الكاتبة المذكورة هي حفيدة (لامارتين) شاعر فرنسا العظيم الذي تذكره الأمة الفرنسية بوافر التجلة والاحترام بل العالم أجمع يقرر فضله ونبله ولا ينساه.


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات