على قد الليل ما يطَوِّل

على قد الليل ما يطَوِّل

استطاع «بديع خيري» أن يكون بأنامله الساحرة، كلمات عميقة وظريفة، فتحت شهية «سيد درويش» بأن يلعب بأوتاره وهو في نشوةٍ عليلة وقت جريان قصة حبه مع «حياة صبري»، وكأننا أمام حالة بديعة من التناص، ما بين الواقع الحياتي والواقع الفني؛

بقلم:معتز محسن


فن الديالوج من الفنون الغنائية البديعة، الحامل لمعاني المناجاة الوجدانية بين الحبيبين، في رحاب الحب العفيف القائم على السعي الدؤوب للوصول إلى عش العصافير الوردي من خلال تتويج الذبذبات القلبية إلى الرباط المقدس الممثل في الزواج.
الديالوج من الفنون الغنائية التوثيقية لقصص الغرام ولحظات الهيام المعروضة أمام الطبيعة الخلابة والكائنات الجميلة ما بين الفراشات والعصافير والهداهد والبلابل والخضرة، المزينة لخضار القلوب وقت التمني للوصول للعش السعيد والحلم بلحظات الزفاف الخالدة.


هذه الكلمات، جُسدت بروعة واقتدار في ديالوج «على قد الليل ما يطَوِّل» من كلمات بديع خيري – بديع الشعر – وألحان سيد درويش – موسيقار الشعب – وقد أُدمجت في أوبريت «العَشرة الطيبة» أو «العِشرة الطيبة» والتي قدمت مرتان، الأولى ما بين عامي 1918 و1919 عبر فرقة «نجيب الريحاني»، والثانية في 11 مارس من العام 1920 عبر جوق «سيد درويش» و»عمر وصفي» من تأليف «محمد تيمور» و»بديع خيري» الذي وضع أيضًا أغاني الأوبريت.
اتسم ديالوج «على قد الليل ما يطَوِّل» بهارمونية بديعة، عبر الأنغام الملامسة للكلمات الرشيقة المتسمة بالشاعرية وخفة الظل وقت المحاورة الوجدانية الدائرة بين الحبيبين في رحاب سكون الليل العليل، وهو ما جسده «سيد درويش» مع حياة صبري – بطلة فرقته – في مشهد من مشاهد الأوبريت، جعل الجمهور المشاهد للعرض يتمخطر ويتمايل مع ذبذبات اللحن العليل.
نظرًا للنجاح الهائل للديالوج الساحر، تم تسجيله على إسطوانات في شركة «إسطوانات أوديون» لصاحبها «مسيو مشيان»، كنوع من التوثيق العلمي والفني لتحفة من التحف الفنية الخالدة، نقشت على القلوب كنقش المداد على البرديات العتيقة، وكحفر الكلمات الساطعة على الصخور الصلبة المتحدية لتقلبات الأزمنة والدهور.
استطاع «بديع خيري» أن يكون بأنامله الساحرة، كلمات عميقة وظريفة، فتحت شهية «سيد درويش» بأن يلعب بأوتاره وهو في نشوةٍ عليلة وقت جريان قصة حبه مع «حياة صبري»، وكأننا أمام حالة بديعة من التناص، ما بين الواقع الحياتي والواقع الفني؛ الصاهر للديالوج الخالد خلود النيل والأهرامات.
أنعش الديالوج بحروفه المتراقصة الآذان والوجدان في كلمات موسيقية ازدانت بالأوتار السحرية عبر قوافي مرمرية تقول:
على قد الليل مايطول مسترضي بسهرى ونوحي
في حبك ياللي من أول مشوفك تترد روحي
سنين وأيام دايب فيكي بزمارتي أصحيكي
طول ما أنا وأنتي في الدنيا دي أفوت أهلي وأجدادي
أروح على فين وأنتي قصادي
آه ياترى ياربي ده هو ولا لا حبوبي
ياسبب وعدي ومكتوبي ياكتاكيتها
ياننوسو
ياقطاقيطها
ياحنتوسو
أنا م النجمة في استنظارك
أديني نازلة
أما نهارك أبيض من طبق القشطا
أوعى يكون حد شايف طيفي
مهجتي في إديكي أنا في عرضك
خليها روحي يا مانا عندك
يوه يا دين النبي تنك سارح مانا لسه مجابلاك إمبارح
ماتفكيرنيش أما دي حقة كانت ليلة فى غاية الرقة
فاكر وأنا ماشيه في ريحك على مهلي قبلي الترعة غنيت موال لعنيا رقص على راسي الزلعه
قمت أنا بصيت يمين وشمال ساعة مالقيت مفيش عُزال
طبول طابلي كده كده كده كده
وزومر زامري هنا هنا هنا هنا وشقلي بقلي
وعنها ودغري خدت لي بوسة لكن صنعة
من يومها عرفت في الأخر إنك مستعبط ساهي
إيش قلت المثل الساير ياما تحت الساهي دواهي
آه عليها عيون ماتلتقهاش على منادمين ياكده يابلاش
عليه مناخير فشر النبقة
أما نهودها فوق عن وقة دانا متبرجل ياحدقة ياكتاكيتها
ياننوسها ياقطاقيطها ياحنتوسها
إديني بوسة وكمان بوسة
شفتي بتاكلني أنا فى عرضك
خليها تسلم على خدك
ياه يادين النبي تنك سايح ماشبعتش من ليلة إمبارح
متفكرنيش أما دي حقه كانت ليلة فى غاية الرقة


تم ترجمة قصة الحب القائمة بين «سيد درويش» و»حياة صبري» على المسرح، وهو ما دعم النجاح الخالد للثنائية البراقة، فنًا ووجدانًا جعل الباحثين والدارسين حتى لحظاتنا الراهنة، يقفون مندهشين معجبين بسر حداثة القالب العتيق، المتاخم لكل وقت وحين.
هذه السمة المتألقة استمرت لعقود طويلة متسمة بالإعجاب بتلابيبها وهو ما جعل السينما المصرية، تستعين بالتحفة الفنية الساطعة على الدوام، في العام 1952 في فيلم «مسمار جحا» عن النص المسرحي للكاتب الكبير على أحمد باكثير – شكسبير المسرح العربي – في لحظات المقاومة الضروس للفدائيين المصريين بالقناة. قام تلميذ «بديع خيري» المسرحي أبو السعود الإبياري – موليير المسرح المصري – بكتابة السيناريو بالاشتراك مع المبدع الموسوعي «أنور وجدي».
استعان المخرج «إبراهيم عمارة» بالديالوج، كنوع ترفيهي وتشويقي لأحداث الفيلم، الحامل بين تفاصيله لرموز عميقة وخطيرة، مبرزًا وسط الالتهاب القائم في الأحداث، أغنية بديعة ترقق من القلوب الخائفة وقت ترنم المطربة المبدعة «شهرزاد» لديالوج موسيقار الشعب، مع فتى الشاشة في تلك الفترة «كمال الشناوي» الذي رُكب على صوته دوبلاج المطرب الكبير «إبراهيم حمودة»، أفضل من غنى أعمال موسيقار الشعب على الإطلاق.
استطاع طاقم العمل السينمائي «مسمار جحا»، بإحياء التراث الدرويشي على الشاشة الكبيرة رغم التعنت الملكي، الذي منع لفترة طويلة تداول تراث الفنان الخالد؛ لأسباب سياسية ما بين القصر والوفد، لمدة ثلاثين عامًا ما بين حقبتي الملك «أحمد فؤاد الأول» وصراعه مع الزعيم «سعد باشا زغلول»، والملك «فاروق الأول» وصراعه مع الزعيم «مصطفى باشا النحاس».
نجح الطاقم الفني في مؤازرة أبطال المقاومة، بإحياء تراث فنان الشعب الذي أغضب القصر والإنجليز وقت المطالبة بالاستقلال التام، وهو ما جعل الفن الصادق يضرب عصفورين بحجر واحد، أحرز فيها نصرًا مزدوجًا جمع بين النصر الوطني الصادق والنصر الفني الخالد.

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات