شرفة وشيش ذو شُرّاعة

شرفة وشيش ذو شُرّاعة

يركض خلفنا بعصا المقشة، ونحن نغني في غيظه: «عم سعيد … اجري بعيد … لحسن ياخدوك في الحديد

بقلم:ميرفت البربري


على ناصيةِ باكية، أغلق فكهاني الحي وبائع الخُضر دُكانهما الذي تشاركاه. وقفتُ أمام بابه الخشبي العتيق، أعاتب ضبته التي عانقت مفتاحه وراحا في سباتٍ عميق، تأوّهت منه تفلّقاتُ الخشب.
اخترقتُ بعيني حاجز الباب، رأيتُه هناك، يفتّش في حوضٍ ممتلئ بماءٍ يغسل به بضاعته. أصرخ فيه: لا، لا، أمي لا تحب هذا! أعطني من ذلك الجِوال، جافًا لا ماء فيه. يجيبني بصوته الثمل، بنبرته الصعيدية، يخرج نصف لسانه الغليظ، يمسك بأعواد الخضرة، ينثر قطرات الماء في وجهي: «تاخد اللي هعطيه لك… ويا تروِّح! قول لأمك ما فيش غير ده».
يتدخل شريكه الفكهاني، برقةٍ معطّشًا الجيم: «يا راجل، ادّيه اللي على مزاجه … ده أبوه غالي عندينا، ما تزعِلوش».
كان أبي يمر يوميًا، يختار الفاكهة، يدفع ثمنها، ثم يرسلني لإحضارها. لا أعلم لِمَ كان لا يحب أن يحمل الفاكهة بنفسه. لكنني… كنت أحب أن أذهب. ناولني ما أردت، كما أردت. وأغلقتُ عيني خارجًا، بهدوء. على الناصية المقابلة، وقفتُ أبتاع أقراص الطعمية الساخنة. تحاول زوجة البائع أن تضع لي ما تبقّى من أقراصٍ باردة. ينهرها الرجل: «لا لا … أبوه بيحبها سخنة … نص سِوى».


سكن صوت مفرمة الطعمية. وشاخ ذراعها القابع في حلّته … دون دوران. دلفتُ إلى الشارع. أحاط بي الأولاد ليخفوني عن نداء أمي. كانت تناديني من نافذة الطابق الثالث. ظنّوا أنني إذا اختفيت خلف أكتافهم … لن تراني. تولّت عن كتفي … أكتافهم. فرغ الشارع من صخبه، الذي كان يجعل جارنا في الأرضي يرشّ الماء، حتى يستريح من الغبار. بواب العمارات يركض خلفنا بعصا المقشة، ونحن نغني في غيظه: «عم سعيد … اجري بعيد … لحسن ياخدوك في الحديد»!
غادر البوّاب … وغادرت دكّته الخشبية. وقفتُ أمام بيتنا. أنظر إلى الشقة، ذات النوافذ الخمس الشاهقات. كنت أغلق الجزء السفلي منها، وأترك الشُرّاعات …ليملأ النسيم غرفتي. هجرت النافذة شارعنا. واستُبدلت ببناءٍ ضخم … ذو نوافذ مُحكمة الغلق.
الخواء … يطعن الريح، حيث كان بيتنا. حيث كانت المرأة ذات «اللُغد» التركي، تحمل طبق الحلوى في العيد، وتمنحني أول قطعة، وأول ثمرة فاكهة، في كل موسم.
فراغ … يثير زوبعة في قلب شارعنا القديم. وقفت البنايات الباقية، تصبُّ جامَّ وجعها، في صدر العنوان.
وليتَ وجعي شطَرَ دروب الذاكرة، أطارد الفراشات المهزومة … تبحث عن زنبقة، كانت تسقيها فتاة خمرية في الشرفة المقابلة، ثم تُلقيها لابن الجيران.

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات