وعلى بُعد خمسين كيلومترًا فقط، تبرز أطلال تابوزيريس التي تضمّ بقايا معبد شاسع للإله أوزيريس، يتوسّطه برج مكوّن من ثلاثة طوابق: الأوّل مربّع، والثاني مثمّن، والثالث أسطواني، على غرار منارة الإسكندرية الشهيرة

نسخة إلكترونية من المقال للتحميل

يصل السائحون إلى مصر، وهم جميعًا وبطبيعة الحال يتوقون إلى الإعجاب بتلك الأعمال الجبّارة التي خلّدها الفراعنة؛ تلك الأعمالُ التي هزّت خيالهم منذ فجر شبابهم، في المدرسة وخارج المدرسة بما سمعوه من أوصاف أو قرؤوه من روايات، دون أن ينسوا تلك الصور التي وقعت عليها أعينهم.
حين لا يقتصر برنامج الرحلة على القاهرة وضواحيها، أو على جولة سريعة إلى الأقصر، فإنّه لا يتعدّى، في أفضل الأحوال، أبيدوس ودندرة وإدفو وكوم أمبو وأسوان. هي أماكن جميلة وبها آثار رائعة بلا شك، بل هي مهيبة ومثيرة للخيال، إلّا أنّها لا تكفي لمنح فكرة دقيقة عن الثروات المتعددة التي يزخر بها وادي النيل، ولا عن تلك الحضارة المعقّدة العريقة التي ازدهرت هناك مرارًا عبر آلاف السنين.

إنّ هذه الرؤية المحدودة تُفضي –في الغالب– إلى انطباعٍ مُضلِّل؛ فيتخيّل المرء أنّ مصر أبدعت فنًّا مدهشًا، أجل، لكن سرَّ دهشته يكمن أكثر في ضخامة أحجامها لا في جمالها الجوهري، فنٌّ يكاد يكون دائمًا متكلّفًا، باردًا، ثقيلًا، متصلّبًا في قوالب وقوانين ونقوش تقليدية ثابتة، لا يعرفُ حرّية الحركة، ولا الخفّة والرشاقة ولا نعومة الجمال، مجرد حجم بلا شكل ولا روح.
ويتخيَّل هذا المسافر، خطأ أيضًا، أنّه خارج آثار الفراعنة لا يكاد يوجد ما يستحقّ الإعجاب، وأنّ الاكتفاء بإلقاء نظرة سريعة على مساجد القاهرة وخان الخليلي كافٍ لاكتشاف حضارتها الإسلامية.
على النقيض من كلّ ذلك، فإنّ مصر تزخر بكثير من العجائب الأخرى. ربّما تكون أقلّ إثارة للفتنة في الظاهر، ولكنّها، مع ذلك، تستحقّ أن تُمنَح قدرًا كبيرًا من التأمّل والاهتمام. فهي مثيرة للأحاسيس، وبها دروسٌ كثيرةٌ نافعة، كما تحمل متعة جمالية راقية.
وإذا أراد السائح ألّا يكون في مرمى السهام المسمومة التي وجّهها بيير لوتي، إلى قطعان رحلات “كوك“، فلا ينبغي له أن يهمل هذه الجوانب. غير أنّ ضيق المجال واعتبارات المناسبة لا يتيحان لي أن أتحدّث سوى عن بعض منها فحسب.
لنبدأ إذن بالإسكندرية، تلك التي يمرّ بها معظم المسافرين مرورًا عابرًا. ودون أن نكرر ذلك القول المألوف، الذي أعيد تكراره مرارًا، بأنّه لا مدينة في العالم تستطيع أن تباهي بأنها تأسست على يد الإسكندر الأكبر، وحوصرت من قِبل يوليوس قيصر، وفُتحت على يد نابليون، لا يسع أيَّ عقلٍ متوسّط الثقافة إلّا أن يشعر بامتنان عميق تجاه هذه المدينة التي أسهمت، أكثر من غيرها ربّما، في نقل الميراث الأدبي والعلمي والفني للعالم القديم إلى العالم الحديث.
إنها المدينةُ التي أنشأت أعظم مركزين من مراكز الثقافة في العصور القديمة: المتحف والمكتبة؛ المدينةُ التي شيّدت أوّل منارة في التاريخ، منارة فخمة بديعة في إنشائها ووسائلها العلمية حتى غدت، طوال العصور الوسطى، إحدى عجائب الدنيا السبع؛ المدينة التي شهدت قصص حبّ هذه المرأة الجميلة الساحرة، تلك التي سحرت قيصر وأنطونيو معًا، ثم اختطفها الموت التي سعت إليه مختارة، يائسة من أن يكون لها سلطان على حواسّ أو عقل أوكتافيوس، ذاك الذي بفضله حملت روما صفة الإمبراطورية واسمها.
أرض شهدت أحداثًا حاسمة في تاريخ العالم وحضارته، وهذا دون أن نتطرّق إلى الدور الذي أدّته الإسكندرية لتاريخ المسيحية، أرض حتى لو تحوّلت إلى قفر مجدب، فستظلّ، مع هذا، جديرة بأن يقف عندها المسافر وقفةَ حجٍّ مفعمة بالتبجيل.
لكنّ الإسكندرية، مع هذا، ليست قفرًا مهجورًا، بل هي مدينة يربو عدد سكانها على نصف مليون نسمة، بل وتمتلك ميناءً واسعًا رائعًا يعد ثالث ميناء من حيث الأهمية في البحر المتوسّط بعد جنوة ومرسيليا.
وبالإسكندرية مجموعة من الحدائق والمتنزّهات تُعَدُّ من أجمل الأماكن، يستطيع زائرها أن ينعم بالتنزه لمسافة تمتدّ إلى عدّة كيلومترات على طول البحر، ملعب رياضيّ فريد لا نظير له، أندية بحرية، ضواحٍ فاتنة المنظر يجتمع فيها البحر والبحيرة والصحراء. أمّا مناخها، فهو دائمُ الاعتدال، لا مثيل له بين أواخر الربيع ومطلع الصيف، كما قال آرثر ويجال، إلا أنها تتعرض لفترات يسيرة من الرطوبة المفرطة.

إذا لم يبقَ من الأرض التي كانت مأهولة في العصور القديمة سوى أثر واحد، فهو بلا ريب ذلك العمود الشهير الذي نُسجت حوله الأساطير فربطته باسم بومبي العظيم، على الرغم من أنّ قاعدته تحمل نقشًا يرجعه إلى الإمبراطور دقلديانوس.
ومهما يكن الأمر، فإنّ هذا العمود، الذي يبلغ ارتفاعه نحو سبعة وعشرين مترًا، وتزن ساقه وحدها ما لا يقل عن أربعمائة طن، يُعَدّ أعظم كتلة حجرية قائمة من قطعة واحدة في الوجود.
لقد صمد بمعجزة أمام جميع الكوارث: النهب، الحرائق، الزلازل، بل وأمام المحاولات اليائسة التي جرت لنقله إلى فرنسا لإقامة تمثال للملك لويس الرابع عشر على قمّته.
يبقى هذا العمود شاهدًا على عظمة وجلال معبد سيرابيس، ذلك التلُّ المهيب المرصوف بالرخام المصقول، والذي كان جديرًا بأن يُقارن بالكابيتول.

وعلى الرغم من التدمير العنيف الذي وقع سنة 391 للميلاد، حين ألغيت رسميًّا العبادة الوثنية، وعلى الرغم من أعمال السلب التي نالت منه قرونًا طويلة، ما زالت الأرضُ المحيطة تُقدّم آثارًا شامخة، بعضها قائمٌ في موضعه، وبعضها الآخر محفوظ في المتحف اليوناني الروماني.
وعلى الرغم من أنّ هذا المتحف أُنشئ متأخّرًا، بعد أن قامت المدينة الحديثة فوق موقعها القديم، فقد جُمِع فيه عدد وافر من القطع ذات القيمة الكبرى في ذاتها، كما أنّ لها أهمية خاصّة لدراسة فنون العصر الهلنستي – ذلك الفن الذي طالما أثار الجدل وما زال أكثره مجهولًا لنا.
ولا يقلُّ هذا التل أهمية عن تلك المدافنُ الهلنستية في الشاطبي، والأنفوشي، وكوم الشقافة. وهذه الأخيرة هي الأثرُ الأكثر دلالة على التزاوج الذي تحقّق بين ديانة وفنّ الفراعنة من جهة، وديانة وفنّ الغزاة اليونان والرومان من جهة أخرى.
إلى الغرب من الإسكندرية، وحول بحيرة مريوط وصولًا إلى تخوم برقة، تمتدّ منطقة صحّية إلى أبعد حدّ، تجمع بين ملامح الصحراء وما قبل الصحراء، يسكنها بدو رحّل وأنصاف رحّل. وفي أواخر فصل الشتاء تتوشّح هذه الأرض ببسط زاهية من الأزهار المتنوّعة الألوان.
وبفضل ما تتمتّع به من مسالك ممتازة تصلح لسيارات الأجرة والسيارات الخاصة، يمكن القيام فيها برحلات عديدة إلى مواقع بالغة الجمال.
وعلى بُعد خمسين كيلومترًا فقط، تبرز أطلال تابوزيريس التي تضمّ بقايا معبد شاسع للإله أوزيريس، يتوسّطه برج مكوّن من ثلاثة طوابق: الأوّل مربّع، والثاني مثمّن، والثالث أسطواني، على غرار منارة الإسكندرية الشهيرة، وفيه سراديب غامضة. ومن قمّة التلّ تُشاهد إطلالة فاتنة لا مثيل لها على الصحراء والبحر الفسيح بلون الكوبالت الأخّاذ.
وعلى مسافة ستة عشر كيلومترًا إلى الجنوب من تابوزيريس، تنتشر أطلال أعظم أثر مسيحيّ في مصر. ما يثير الدهشة هو ثراء موادّ بنائه: القواعد، والتيجان، والأعمدة، والأرضيات، وكسوة الجدران، كلّها من رخامٍ يوناني استُجلب بلا شكّ من مباني الإسكندرية الوثنية.
هناك كانت تقوم بازيليك ثلاثية الأروقة شُيّدت فوق ضريح القديس الشهيد مار مينا العجايبي، يبلغ طولها مئة وعشرين مترًا، وكانت لا تقلّ غنى عن الحمّامات التي كان المرضى يُغمسون في أحواضها، على غرار ما يحدث في مدينة لورد الفرنسية، وهي عبارة عن أحواض متّصلة بتجهيزات لتسخين المياه تغذيها آبار وصهاريج ضخمة أقيمت إلى جوارها.
عبر صحراء مريوط يمكن الوصول إلى واحة سيوة، الشهيرة بمعبدها وعرّاف جوبيتر آمون الذي قصده الإسكندر ليطلب تأكيد نسبه الإلهي. ولا تزال هذه الواحة حتى اليوم جديرة بالزيارة، لا بسبب أطلالها القديمة فحسب، بل أيضًا بفضل ينابيعها الكبريتية الحارّة الغزيرة، وغطائها النباتي من النخيل وأشجار الزيتون، والحياة الفريدة التي يحياها سكانها في مبانٍ ذات طراز معماريّ غريب، فضلًا عن سمائها الصافية التي تضفي عليها بهجة بدرجاتها المتفاوتة من الضوء والألوان.
إلى الغرب من الإسكندرية، ازدهرت في عصر البطالمة وفي العهد الروماني مدينة كانوب، التي كانت أشبه بضاحيةٍ للمدينة الكبرى، وكانت، إن صحّ التشبيه، مزيجًا من «مونت كارلو» و«لورد» في مصر الوثنية. فقد ذاعت شهرة المعجزات التي كانت تُنسب إلى معابد سيرابيس وإيزيس هناك في أرجاء العالم، فكان الحُجّاج، مصريون وأجانب، يتقاطرون عليها أفواجًا.
ولم تكن شهرة كانوب مقتصرة على معابدها، بل امتدّت إلى حياة اللهو والمرح التي سادت فيها: حياة متحرّرة، ماجنة، لاهية، تعجّ بالاحتفالات والولائم. ومن ذا الذي لا يذكر الهجمات المتكرّرة التي شنّها الكتّاب اليونان وساخرو الرومان على ما سُمّي بـ«الكانوبيّة»؟
ولم تفقد كانوب أهميتها حتى بعد انتصار المسيحية؛ إذ قام على أنقاض معبد إيزيس معبدُ القديس المعجزي كيرياكوس.
واليوم، قرب أبو قير الحاضرة، ما زالت أطلال كانوب جديرة بالمشاهدة، ويزداد الكشف عن معالمها وضوحًا وإبرازًا بفضل الحفريات العلمية، فيما تظلّ شواطئها محتفظة بجمالها السهل الساحر، ومناخها بدفئه العذب الذي كان أميانوس مارسيليانوس قادرًا على تمجيده بمدائحه الشعرية كما فعل في الماضي.
وليس أدلّ على ذلك من أنّ حكّام مصر المعاصرين، اقتداءً بالبطالمة، قد شيّدوا قصورهم الصيفية في هذه الأنحاء التي كانت يومًا تُعرف بـ delicae Romanorum، أي “ملذات الرومان”.
على بُعد خمسين كيلومترًا إلى الشرق، على الفرع الغربي من نهر النيل، تقوم المدينةُ المصرية الوحيدة التي ما زالت تحتفظ بطابعها الوسيط، ونرجو ألا تفقده، وهي رشيد.

يصل إليها المرء عبر طريق ممتاز للسيارات، يمتدّ بين البحر والبحيرة، مارًّا بالقرب من قرية إدكو الساحرة، القائمة على تلّ تحيط به أشجار النخيل، وتعلو بيوتها البنية أبراج ومراوح طواحين الهواء.
تقوم رشيد في موضع المدينة القديمة بولبيتين، وقد ذاعت شهرتها بالاكتشاف العظيم للنقش المدوَّن بثلاث لغات والذي حمل اسمها. فـحجر رشيد هو الذي قدّم لشامبليون المفتاح الذي مكّنه من فكّ رموز الكتابة الهيروغليفية، التي كانت حتى ذلك الحين عصيّة على الفهم.
تمتدّ هذه المدينة الصغيرة على طول الضفّة اليسرى للنيل، وتحيط بها مناظر طبيعية بديعة. فعلى الضفّة المقابلة لذلك النهر المقدّس، الخصيب، العميق، تمتدّ غابةٌ وارفة من بساتين النخيل والفاكهة والحدائق، ومن حولها تلال من الرمال الذهبية، ثم أبعد قليلًا تنتشر بساتين النخيل وحقول الأرز أو مزارع القطن.
أما شوارعها الضيّقة، فيصطفّ على جانبيها بيوت مميّزة من طوب محروق غير مكسوّ بالجصّ، ترتفع ثلاثة أو أربعة، وأحيانًا خمسة طوابق، وغالبًا ما تتقدّم طوابقها العليا من مستوى الطابق الأول إلى الخارج حتى تكاد تتلامس مع البيوت المقابلة.
وكثير من هذه البيوت، ذات النوافذ المزدانة بالمشربيات الخشبية العتيقة الجميلة، تحتوي غرفًا مؤثّثة بأثاثٍ من الخشب المحفور يحمل قيمة فنيّة حقيقية.



سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات