إلا أن المكاوية زوجة المكاوي قبضت بيد من حرير على زمام الأمور، لبست عمة زوجها وجلست في مقعده، تقول الحكايات إنها مع الوقت أخذت نبرة صوته بل وحشرجته …

حذارِ…
حذارِ ممّن؟ ولمن!
هذه لا تقال لعمي عبد القوي ابن عم أبي، بطل الأبطال ومغوار المغاوير، فشل في حفظ القرآن وإن توقف دائمًا عند آية “وما تلك بيمينك يا موسى”، خرج من الصف السادس الابتدائي بعد أن فشل فشلًا خفيفًا، ولم يعد أمامه غير أن يأخذ الصف خلف إخوته ويساهم في زراعة الأرض، البراري واسعة والأرض لا تجد من يقدر عليها، يستصلحها ويضمها لأملاك العائلة.

في الحقيقة كان والده وهو عم أبي أكثر الناس فرحًا بسقوط ابنه، إذ لم يكن التعليم عنده أكثر من فك الخط، تعلم القراءة والكتابة كي يوقّع أبناؤه بدل أن يبصموا أو يحملوا أختامًا بأسمائهم، وربما كان هذا مبلغ علمه، فمن رآهم من المتعلمين يأتون غالبًا من المدينة، آحاد بشخصيات أسطورية، لكن أسطورتهم تسقط عندما يسيل لعابهم على البط والديوك الرومي والسمن البلدي الذي يملك منه الكثير، غير أن الخبيئة كانت في جانب آخر: إن تعليم ولد معناه أنه سيذهب إلى المدينة ويكلف العائلة إيراد فدان على الأقل سنويًّا يكفي لإعالة عشرين شخصًا، وهو أمر دونه ذبحه أو ذبح ولي ولو له كرامات، يحتاج لأن تتنزّل رسالة سماوية بذلك أو يأتي به أمر من مأمور المركز لينفذه.
كان جدي الاحتياطي هذا حريصًا حرص الإبل إلى الدرجة التي جعلته يتجاوز البخل بفدانين، حتى إنه في لقطة نادرة حتى على أبخل البخلاء أو من لا يجد قوت يومه، بدل أن يضع الخبز في اللبن فتَّتَ لأبنائه البرسيم الناشف الذي يوضع للبهائم بعد انتهاء موسم البرسيم الأخضر، رغم أنه غني، بل أغنى الأغنياء، يملك ألف جنيه في وقت لا يملك فيه أحد بريزة فضة واحدة.
الدنيا ماسكة، ومن أعطته الأقدار هدية أو سرق ماشية وباعها في السوق ويملك جنيهًا واحدًا تغسل له زوجته جلبابه، تعطره بالزهرة الزرقاء ليخرج ويجلس على كوبري البلد وحاله يقول جملة واحدة: “أبو زيد الهلالي خالي.”
وعليه، تقدم عمي عبد القوي وخطا خطوته الأولى نحو الأرض، في الحقيقة لم يكن مرتاحًا للأمر، يشعر أنه أكبر من حفاء الفلاحين وأيامهم المكرورة وجفاف أحلامهم، وصبرهم بالشهور على زرعة أرز أو قطن، يكره الصبر ويكره الجبن القديم الذي يتقوتونه كل يوم، يكتب اسمه وأخذه الغرور بما أنه ابن كبير العائلة فأشاع أنه سيرسله للتعليم في أوروبا البعيدة، فشَّار كبير لكن حدسه يخبره أن مستقبله في مكان آخر وربما نوازعه هي ما تقوده، يساعده في ذلك بؤبؤان لعينيه يسكنان زاويتيهما يستطيع أن يرى بهما من خلفه وبالطبع من جانبيه.
ولأن المقادير تأتي للأشرار على مقاس الأحلام أكثر من الأخيار، جاءه قدره إلى ساقه، هناك من تحرش باللفظ بأبيه، واحد من عائلة أخرى، فما كان منه إلا أن سحب النبوت وضربه عصا واحدة أسقطته مغمى عليه ممددًا كأنه في غيبوبة، وبدل أن يأخذ طريقه إلى الأرض أو أوروبا اتخذ مقعدًا على مسافة من ظهر أبيه الذي يفترش دكة أمام منزل العائلة الكبير، وبدل أن يحتل شنب جدي الاحتياطي واجهة المكان، أصبح هناك شنبان، واحد في المقدمة وواحد خلفه ظاهر للعيان يحمي العائلة من الساقطين، شنب تحذير لكل من تسول له نفسه الاقتراب من طرف جلبابها.
في الحقيقة كان عدد اللصوص في العائلة يقارب عدد المزارعين، وهو أمر ليس غريبًا، بل متوفر في كل العائلات وإن كنا قد بَزَزْنا العائلات الأخرى بعدد زائد في الجناحين، يجري ذلك علنًا باعتراف كأنه قانون، بل هو القانون، من يأكلون بالسرقة أكثر عددًا ممن يأكلون من كَدِّ أيديهم.
كان الموقف يحتاج لظهور بطل ولو من تحت الأرض، العائلات بسيطة أمام أرض شاسعة تنادي من يستصلحها، والناس يأكلون القمح مسروقًا في الغالب ثم يعودون للشعير، لكن الحياة بدأت تلعب لعبتها باكرًا بل قدمت المواقيت، فحين يوجد الزرع ويوجد البشر لا بد أن تنبت السلطة ولو زرعها الناس زرعًا، لا يستقيم الأمر أن يعيش الناس في سواسية أو وئام أو تكاتف رغم أنهم يواجهون قلة أعدادهم وكثرة المطاريد والهجامين.
تنبُت السلطة غالبًا في الليل، ثم حين تتأكد من أذرعها تظهر في وضح النهار، راح يبحث عن غابة السلطة، دله أبناء الليل عليها، لكن الأرض ليست مُمهدة، تطرح من الخوازيق ما لا يتحمْله سوى الأبطال، في الحقيقة لم يكن بقلب بطل ولا بقلب لص ولا بجسارتهما ولا بنبلهما، لكن البطولة ليست دائمًا صفة، دم وطينة، غواية البطولة عند البعض تفوق عدد الأبطال الحقيقيين، وهنا أرض الأبطال العِيرة.
طريق البطولة شاق، يولد الأبطال أبطالًا يصنعون الحدث، وفي الدرجة الثانية هناك أبطال يصنعهم الحدث، وهو من النوع الأخير، سواء كان حدثًا شريفًا أو حدثًا سيئًا، وهو اختار الأخير، لم تكن مؤهلاته تسمح له بأكثر منه.
اتكل على الله أو على الشيطان وقرر أن يكون لصًّا، لصًّا كبيرًا، وإن كان ولا بد فعليه أن يسرق الجمل والقمر، فليحصل على مكانه ومكانته بعرق يديه وكدِّه، ليكن لصًّا تحكى سيرته تحت ستار الليل وتحت نجومه أو على الحنفية العمومية في أنصاف الليالي، والرواية جاهزة ومكان البطل شاغر، على أي حال نذر نفسه وقرر أن يذهب بقدميْه لبيت المِكّاوية العتيد، مكمن اللصوص، أرض المعركة ومصنع الرجال، اللصوصية صنعة الكبار، واللصوص هنا ليسوا فرادى ولا هجامين، هم آحاد صحيح لكن من أفخر النفوس والعائلات.
ذهب رافعًا شاربه ونبوُّته، تسبقه سيرته، للأمانة أصبح فخرًا للعائلة في رمشة عين، ولو باعتداء على واحد آخر، إذ إنه دافع دفاع الأبطال عن أبيه رمز العائلة وعن شرفها كلها، وإذا كنا قد دفعنا حقًّا للعائلة الأخرى نظير ضرب ابنها خمسة جنيهات كاملة حقًّا ميتًا لا يرد، فهذا ثمن بخس مقابل المكانة التي رفعت رأسنا للسماء، كما أن جملته التي قالها في نهاية التحقيق أصبحت شعارًا معتمدًا حين برم شاربه وقال: “خمسة جنيهات أخرى موضوعة في جزمة قديمة في الحمَّام”، وللأمانة كان صادقًا إذ إن نصف العائلة كانوا من الحفاة والباقون جزم قديمة، ولو أن موضوع الحمَّام هذا كان مشكوكًا فيه.
فليذهب إذًا لقدره.
لحسن حظه ذهب بعد وفاة المكاوي مباشرة، والأخير لم يكن لصًّا كبيرًا فحسب مع أن ماضيه يشهد له، لكنه كان بارعًا يرى المستقبل بعين حرامي عتيد، تخمرت في ذهنه فكرة لم تخطر على بال أجدع زعيم مافيا، أنشأ مدرسة لتخريج اللصوص، بدل أن يسرق أولاده ويتعرضوا للخطر، افتتح مدرسته وتقدمت كل عائلة بلص منها ملأوا المقاعد عن آخرها، كان الدرس الأول والوحيد أن يخرج الطالب مع أقرانه في سرقة كبيرة وحين يعود مظفرًا منها يتم تعميده بنوط اللصوصية العظمى، يصبح لصًّا معتمدًا ومن الممكن أن يحصل على شهادة تخرج بختم المكاوية نفسها، وإلى جانب الشرف الذي يتمتع به سيتمتع بميزة أخرى، لن تتم الإغارة على عائلته ولا على واحد من أفرادها، قانون غير مكتوب لكنه ساري المفعول، وإذا حدثت بالخطأ ترد إليه المسروقات فورًا تكريمًا للطلعات التي قضاها في خدمة النضال، غير أن هناك شرطًا أساسيًّا يتم التوقيع عليه شفاهة، إذ إنه وجميع الدارسين والمتخرجين لا يحصلون على شيء من الغنائم، بل تقع كاملة في يد المكاوي ناظر المدرسة وعائلته.
ذهب للمدرسة في وقت حرج، بعد وفاة مؤسس الأكاديمية العظمى لتخريج الحرامية مباشرة ودمه لم ينشف بعد، وخشي الجميع من انفراط عقد المدرسة، إغلاقها وتسريح لصوصها، إلا أن المكاوية زوجة المكاوي قبضت بيد من حرير على زمام الأمور، لبست عمة زوجها وجلست في مقعده، تقول الحكايات إنها مع الوقت أخذت نبرة صوته بل وحشرجته، قربت عمي إليها رغم أنها عرفت من أول طلعة أنه بنصف قلب، لا يملك جسارة وغُشم اللصوص، ربما ببصيرتها رأت الجانب اللين، بل أعجبها السياسي فيه الذي يستطيع أن يفاوض بلسانه بدل أن ينزل إلى أرض المعركة برجله.
تخرج عمي في مدرسة المتفوقين، وعاد بشارب مرفوع لأعلى من الناحيتين، فتح لنفسه وللعائلة فتحًا كبيرًا، لكن الفتح المبين كان من نصيب جدي الاحتياطي، إذ وقعت كل أسرار سرقات المنطقة في حجره، إذ إن سفيره لدى دولة اللصوص أصبح يفرد أمامه خريطة القنص وحجم الغنائم، الأمر الذي جعله يساوم العائلات بها وعليها لمزيد من السلطة والنفوذ دون أن يقترب من المال الحرام والعياذ بالله.
احتفظ عمي بخيط حريري مع المكاوية، استغلت الجانب اللين وزوجته سرًّا من ابنتها المكاوية الصغيرة التي أصبحت هجّالة بعد نفوق زوجها في إحدى الطلعات، إلا أن الخيط انقطع لسببين حين تزوج عمي من ابنة عمه، عمتي شقيقتي، مما دعا المكاوية الكبيرة للتهديد بالإغارة على الفرح.
في الحقيقة انقطع لسبب آخر، كشّرت الحكومة عن أنيابها، واستطاعت أن تستغل أيام الصيف لإغلاق المدرسة والقبض على الطلاب، كانت المنطقة في الشتاء مقبرة للبوليس، هيش كبير بلا طريق واحد معبّد، المطر لا يتوقف لأربعة أشهر، والتفكير بالدخول للمنطقة تفكير انتحاري في قلب العتمة، لم تكن هناك كهرباء ولا وسيلة نقل تجرؤ وإلا غرزت في الطين من أول مترين، وأصبحت قوة البوليس في مرمى النار والشر، بدا المكان في الشتاء كأنه ملعب للجن والذئاب فقط، مع تباشير الحر دخلت الحكومة وأمسكت بهم، لم تكن هناك جرائم حالة يقدمون بسببها للمحاكمة، لكنهم كانوا خطرين بما يكفي، ويجب التنكيل بهم للصالح العام، ولِبَرْم شارب السلطة أولًا، اختاروا لهم يوم السبت يجمعونهم فيه في مركز البوليس، كانوا يدفعونهم لضرب بعضهم، يبصقون كلٌّ في وجه الآخر، يصيحون فرادى وجماعات: “أنا مرا، أنا مرا”، لكن ما أوجع الجميع وأوجع عمي في كبده أنهم كانوا يحلقون لهم نصف شواربهم ويتركون النصف الآخر للسبت الذي يليه، والويل كل الويل لمن يحلق نصف شاربه المتبقي بعد أن يخرج، أوجعه أن يقول عنه الناس: “واحد من أنفار السبتية”، حتى السبت المذكر اتخذ صورة مؤنثة.
أخفى وجهه بيده، كاد يقول: وما تلك بيمينك يا عبد القوي!
اختبأ من الجميع، لف وجهه بملفحة ليلًا ونهارًا، عاد للأرض التي لفظها، لكنه لم يتحمل الإهانة طويلًا، سقط من طوله مريضًا، ظهرت البقع والنمش على جسده، وكما قرر أن يكون بطلًا قرر أن يموت بطلًا، عاد ليلًا للأرض التي عافها، نام في قلب أكوام الأرز، مر عليه الجرار الزراعي، لم يلحظه سائقه ولم يتوقع أن ينام أحد هنا، مزق ساقيه، لم يخرج من الغيط إلا جثة هامدة.


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات