يفضل الواحد منهم حانة “يني” على خمارة “مانولي” وحسنات “خريستو” ولطف “كوستى” على قلة ذوق “بنايوتي” وثقالة “خرالمبو”


لم تشهد مدينة أخرى في العالم أكثر مما شهدته هذه المدينة الجميلة التي نعيش فيها من تقلبات الزمن وتعدد الحكام والفاتحين وتبدّل العادات والتقلب بين أيدى الشقاء والنعيم. ولكنها بقيت على الرغم من طوارق الحدثان مدينة مصر العظمى بل مدينة الشرق القريب بل نقطة الاتصال بين الشرق والغرب.
وها هي الآن تحتل مركزًا تفاخر به كلّ مدينة أخرى في الشرق لأنها بعدما دالت دولة الخلافة وتقلص ظل الترك عن قسم عظيم من سلطنتهم بعد الحرب أصبحت مركزًا للثقافة العربية الشرقية ومطمح أنظار شعوب الشرق العربي من آسيوي وأفريقي ومرجعًا لكل حركة فكرية أو دينية في هذا الشرق، ولعل القليل من أبناء القاهرة يدركون حقيقة هذا المركز أو يقفون ليتأملوا فيه مليًّا ويقدروا التبعات التي تلقيها الشعوب المتطلعة إلى مصر على عاتق القاهرة أولًا.
ولا نريد هنا أن نأتي على أوصاف القاهرة كما ذكرها مؤرخو العرب والإفرنج ولا أن نقتبس فصلًا من المقريزي أو غيره، ففي بطون الكتب والأسفار كثير من تلك الأوصاف ولكننا عثرنا على طرفة نفيسة نريد أن نضيفها إلى كل ما تقدم ذكره. وهي نفيسة بالوصف الوجيز الذي تضمنته لحالة القاهرة منذ ٤٠٠ سنة – نفيسة بالخريطة الجميلة التي وضعت في ذلك العهد لمدينة القاهرة – نفيسة بإظهار طرف من رأي الغربيين في القاهرة في ذلك الزمن وكيف وصفها الذين زاروها منهم وكيف كانت حالتها العامة في نظرهم ونسبتها إلى المدن الأوربية الكبرى في ذلك العهد.
وهذه الطرفة هي وصف لمدينة القاهرة في مؤلَّف ألماني نشر نحو سنة ١٥٧٤ وقد طبعت على قفا خريطة قديمة للقاهرة هي التي ننشرها هنا ونشر إلي جانبها آخر خريطة لهذه المدينة. وهذا تعريب الوصف الألماني:

إن الكاير(Alcaire) مدينة مصر الكبيرة هي التي ندعوها نحن كيروس (Cairus) والكايرو (Alcairo) ويدعوها العرب مازار (Mazar) أو ميزير (Mizir) [مصر[ ويدعوها الكلدانيون الشابير (Alchabyr) (تُقرأAlchagyr) وبالعبرية مصرايم (Mesraem) وباللاتينية بابليون (Bibylon) وهي واقعة في نقطة حسنة مناسبة أي حيث يبتدئ النيل بالانقسام إلى فروع عديدة فهي شبه سد للنيل فالنهر صالح للملاحة حتى المدينة لا ما بعدها.
وللمدينة ضواحٍ كبيرة جدًّا يحتوي بعضها علي ثلاثة آلاف منزل والبعض الآخر على اثني عشر ألف منزل. ويقال أن الكاير (القاهرة) تحتوي علي نحو ثلاثين ألف منزل وعلى دور كبرى غيرها ولكثيرين من أهاليها مساكن كبيرة جدًا. وفيها قصور وهياكل فخمة عديدة تدعى جيوما (Gioma) أو جيما (Gema) [جامع أو جوامع[ أي كنائس أو مجتمعات، وكثير من المستشفيات والمدارس والحمامات التي يستخدمونها لتقديم الضحايا وفقًا لعاداتهم.
ويوجد في المدينة عدد لا يحصى من المحاكم والمواخير. وفيها أيضًا أبنية كبيرة يجعل فيها الوجهاء مدافنهم وهي تدعى تربة (turba) ويظن حكام القاهرة الظالمون أنهم يستطيعون أن يكفروا عن ذنوبهم السيئة ببناء بيوت عظيمة قرب أضرحتهم ووقف مبالغ سنوية عظيمة عليها للفقراء والحجاج والطلبة والزهاد والنساك والطرق وهم كثيرون. فيوجد من هذه الأماكن عدد كبير لها دخل سنوي يبلغ ستين الف دوكات [الدوكات (Ducat) عملة ضربت أولا في سنة ١١٤٠ في دوقية أبوليا ثم استعملت في بلدان أوربیه مختلفة بعد ذلك. وهي ذهبية وفضية فالذهبية منها كانت تسوى ما يوازي الآن نحو نصف جنيه مصري. والفضية كانت تساوى نحو عشرين قرشًا مصريًا]. وبهذه الطريقة يأمل الحكام الظالمون أن يربحوا الحياة الأبدية.
ويفي النيل بالأغراض العادية التي يفي بها كل نهر (ولا سيما إنتاج السمك) وهو يجري هنا وهناك في خلال المدينة مندفعًا أشد اندفاع في زمن الفيضان حتى أنه يصبح شبه بحيرة وعلى المرء عندئذ أن يجتاز الشوارع بالزوارق كما الحال في البندقية.
وفي سنة ١٤٧٦ ظهر الطاعون في القاهرة ودام ثلاثة أشهر وتوفي به عشرون ألف نفس في يوم واحد. ومن هذا نستطيع أن نعرف حجم المدينة. ويوجد نحو ثمانية آلاف شخص ينقلون المياه من النيل على الجمال ويبيعونها في المدينة ولا سيما لرش الشوارع ومنع الغبار عن الارتفاع.
وقد وجدت الفقرات الآتية في دليل لمصر:
الكاير (alcaire) مدينة جميلة تبلغ أربعة أضعاف حجم مدينة باريس وفيها كثير من الكنائس المسيحية. وشوارعها مزدحمة ازدحامًا عظيمًا بالناس والخيل والبغال (لأن جميع الرجال والنساء يركبون عادة) فلا يستطيع أحد أن يمشي بدون عائق. ويشتغل الصنّاع أمام المنازل في الشوارع. وقليلون يطبخون طعامهم في منازلهم لأن بعض الناس يبيعون جميع الأطعمة في الشوارع مطبوخة أفضل طبخ ومحضّرة أفضل تحضير. ويوجد في القاهرة زيادة على ثلاثين ألفًا من هؤلاء الطباخين.
ويوجد عدد كبير من هياكل الأمم غير المسيحية. وهي كبيرة كالقصور . ولا يجسر أي مسيحي أن يدخلها ما لم ينكر الدين المسيحي فإذا دخلها أعدم. وفي هذه الهياكل أفران لتفقيس البيض بالطرق الصناعية، وتلبس النساء سراويل من الحرير مزينة باللؤلؤ والحجارة الكريمة كالسراويل التي يلبسها الرجال. ويسوَّغ للرجل أن يكون له عدة نساء.
ويفصل النيل جزيرة عن الكاير (alcaire) يدعونها سربيوم (Cerbium) ولعل هذا اللفظ خطأ صحته (Gerbium) أي غربي وكذلك میشیاس (Michias) وهذه اللفظة تعني “مقياس” لأن ارتفاع النيل وانخفاضه يقاس به كما يقول جون ليو آفر [ليو أفريكانوس. وقد ولد سنة ١٤٩٢ وكان باقياً في قيد الحياة سنة ١٥٢٦] [يقصد الحسن بن محمد الوزّان الفاسي]. وهو يؤكد أنه قد رفعت أعمدة مائية كثيرة في أماكن متعددة في مصر ولا سيما حول ممفيس ليقاس بها ارتفاع النيل لذلك أصبحت هذه العادة بفعل الاستعمال الطويل نوعًا من الفروض الدينية وواجبًا مقدسًا فالمسلمون (أي الذين على دين إسماعيل) فتحوا في هذه الجزيرة ثقبًا عظيمًا مربعًا يبلغ عمقه نحو ١٨ قدمًا وبنوا فوقه هيكلًا كبيرًا جدًا تجر إليه مياه النيل تحت الارض. وفي وسط الثقب عمود عظيم من الحجر يقاس به ارتفاع النيل. ويرسل كل يوم بصبية يلبسون على رؤوسهم قلنسوات صفراء من الجزيرة الي المدينة لكي يخبروا الاهالي بارتفاع المياه وانخفاضها وكم ينتظر أن يكون الخصب ويدعونهم إلى التكفير عن ذنوبهم. والأهالي يكرمونهم بالهبات والهدايا عندما ينقلون أخبارًا سارة. وقد اكتسبت الجزيرة اسمها من هذه العادة في قياس النيل فصارت تسمى (Menchas) أو (Michias).
وفي سنة ١٥١٧ استولى الامبراطور التركي زليموس [سليم الأول] على هذه المدينة العظيمة الواسعة بالقوة وفي ٢٥ يناير ذهب إلى القلعة وكان السلطان تومومبابوس [طومان باي] مختبئًا في غيضة بين القصب والحشيش الملتوي فوجده في ١١ أبريل ووضع حبلًا في عنقه وطاف به على بغل في المدينة كلها ثم شنقه على إحدى بوابات المدينة بالحبل ذاته.
هذه هي ترجمة النص الأماني بما فيه من الغرائب. ولكن الخريطة طريفة في بابها فانظر كيف كانت ترسم الخرائط في أوربا في ذلك العهد. وأين كان النيل وكيف كان يتخلل المدينة وأين كان اتجاه العمران وكيف كانت الأزياء. وأين كانت أماكن التسلية وسباق الخيل. واذا صح أن المصريين كانوا يستخدمون طرقًا صناعية لتفقيس البيض فالطريقة الحديثة الشائعة الآن في التفقيس ليست أوربية في الأصل بل قد سبقت مصر إليها الغرب كما سبقته إلى كثير غيرها.
ولكي تسهل على القاري المقابلة بين ما كانت عليه القاهرة منذ أربعمائة سنة وما هي عليه اليوم ننشر إلى جانب الخريطة القديمة خريطة القاهرة الجديدة وهي أحدث ما وضعته مصلحة المساحة حتى الآن فبمقابلتها بالخريطة القديمة يري القارئ أول كل شيء الفرق العظيم في فن رسم الخرائط ثم يشاهد الفروق العظيمة الظاهرة بين حالتي المدينة بالأمس واليوم وأين كان العمران فيها وكيف صار اتجاهه فيما بعد. وكيف كان النيل يتخلل المدينة وأين كان البحر الأعمى إلخ إلخ …



سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات