عبده الحمولي – كيف نشأ وكيف ذاع صيته؟

عبده الحمولي – كيف نشأ وكيف ذاع صيته؟

يفضل الواحد منهم حانة “يني” على خمارة “مانولي” وحسنات “خريستو” ولطف “كوستى” على قلة ذوق “بنايوتي” وثقالة “خرالمبو”

بقلم: أحد الصحفيين


مولد الحامولي

ولد المرحوم عبده الحمولي حوالي سنة ١٨٤٥ ميلادية بمدينة طنطا وكان والده تاجر بن اشتهر بالقسوة حتى أنه كان يضرب غلامه الصغير (عبده) لتافهة لا تستحق الأذى وكثيرًا ما كان يدافع عنه شقيقه الأكبر حتى أدى ذلك إلى وقوع شقاق بين هذا الشقيق وأبيه واستمر مدة إلى أن بلغت روحه التراق.

الهروب من المنزل

 فأخذ أخاه (عبده) وفر به من وجه أبيه هائمًا في الطرقات يتخبط في سيره لا يقصد مقرًا ولا يمتلك درهمًا واحدًا يرد به غائلة الجوع. وجاء المساء وهما في حالة تفتت الأكباد من التعب والإعياء والجوع والعطش لا يعرفان إنسانًا يلجآن إليه ولا مكانا يبيتان فيه ولكن الله سخر لهما رجلًا قابلهما في طريقهما يدعى المعلم شعبان فآواهما وسد رمقهما ومكثا في ضيافته عدة أيام.

المعلم شعبان

 ومن عجيب الصدف أن ذلك الرجل كان يحترف صناعة الغناء ويعزف على الآلة المعروفة “بالقانون”. وفي أثناء إقامة عبده في ضيافته سمعه عفوًا في بعض غدواته وروحاته يهمس بأغنية تفتحت لها آذانه واسترعت اهتمامه الشديد فاستعاده ما قال فأعاده. فيهت الرجل وشعر بما كان لعبده من صوت يهز أوتار القلوب ويستثير كوامن النفوس وأحس أنه عثر على كنز لا ينفد من المال والطرب فحرص عليه حرص البخيل على الدرهم وعاد به إلى طنطا يعرضه على الجمهور ويجنى من عذوبة صوته المال الوفير. وحاز عبده بعد بضعة أيام من عمله شهرة في طنطا بلغت عنان السماء وانتقلت تلك الشهرة إلى مصر ولمّا يمض على عمله شهر فاضطر الرجل إلى ان يرحل به من طنطا إلى مصر.

قهوة عثمان أغا

 وعرضه على الجمهور المصري لأول مرة في قهوة عثمان أغا وكانت أشهر القهوات الموجودة في القاهرة في ذلك العصر تحف بها الأشجار من جميع نواحيها وتسع عددًا كبيرًا من المستمعين (مكانها الآن حديقة الأزبكية) فأقبل الجمهور على اختلاف طبقاته يسمع عبده حتى كانت القهوة تضيق به على سعتها وأثرى المعلم شعبان وخشي أن يفلت صيده من يده فتلمّس الحيلة ورأى أن أحسن وسيلة تربطه به دائمًا هي أن يزوجه من ابنته، وقد تمت له مشيئته بالفعل وتزوج عبده الحمولي من ابنة المعلم شعبان القانونجي. ولما تم له ذلك استأثر به وأخذ يعامله معاملة الرقيق حتى ضاق ذرع عبده، ولكن الله الذي هيأ له أسباب الشهرة والعمل قيض له أيضًا “الشيخ المقدم” وهو رجل كان مغنيًا طائر الصيت في مصر يعرفه الصغير والكبير فأعجب بعبده أیّما إعجاب وبذل كل ما في وسعه ليلحقه به ويشتغل معه على تخته، وأسر بذلك إلى عبده فقبل واستسلم إليه ملتمسًا النجاة مما هو فيه من أسر المعلم شعبان.

الطلاق والانطلاق

وكان أول عمل عمله المقدم هو أنه جعله يطلق زوجته وبذلك قطع كل رابطة تربطه بالمعلم شعبان وانفرد بالكنز الثمين ولا منازع له فيه. واستمر يغني معه أغاني ذلك العصر إلى أن أحدث عبده في طريقة الغناء ما أحدث من تهذيب وطرب مما سنفرد له مقالًا خاصًا. واستمر يتقدّم في فنه حتى علم به المغفور له إسماعيل باشا فألحقه بمعيته وشمله برعايته وكان موضع احتفائه ومحبته وكان يصحبه دائمًا في أسفاره إلى الآستانة.

كان عبده ميالًا بطبيعته إلى الطرب والغناء حتى أنه كان لا يقل طربه اثناء غنائه عن طرب السامع له. وكان في كثير من الأحيان يصل الليل بالنهار مغنيًا والجمهور حوله يصفق ويهلل ويكبر ولا ينفض من حوله مادام يغنى مهما طالت مدة غنائه. وكان يصحب غناءه بالإشارة التي تقوم مقام الحكاية وكان قوي الحافظة سريع البديهة يترفّع عن سقط اللفظ، حسن المعاشرة، لا تراه إلا ضاحكًا إلا في فترة قصيرة في ساعة الغروب ينقبض فيها صدره وتنقطب أسارير وجهه وينقلب انقلابًا فجائيًا من السرور إلى الانقباض ثم لا يلبث أن يعود إلى سابق عادته من الضحك والانشراح. وقد سأله عن سبب ذلك جماعة من أخصائه وعارفيه فقال إنه أثر الوحشة والانفراد مع التعب والجوع وما شعر به من ألم وعذاب في تلك الليلة التي خرج فيه من بيت أبيه ،كل هذا ما زال يذكره يوميًا في نفس الوقت الذي وقع فيه، فتحصل له تلك الروعة وينقلب ذلك الانقلاب.

منشورات ساخنة

للاشتراك في نشرتنا البريدية

  • المجلة الإلكترونية الشهرية
  • أخبار اللقاءات والندوات
Thank You, we'll be in touch soon.

مشاركة المقال

  • admin@gabardeyat.com
الموضوعات
النشرة البريدية

سجل معنا للنشرة البريدية

Thank You, we'll be in touch soon.

© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات