إن هذه الظروف الحرجة جعلت النساء تتهافت على الرجال. وما عساهن أن يعملن والدين لا يبيح للرجل الزواج بامرأتين.

ابتدأت الحرب العالمية الكبرى والرجال يعتقدون أن النساء لا يستطعن القيام بأعمال الرجال الكثيرة. وانتهت بعد أن اعتقدوا أن يد المرأة الناعمة تستطيع إصلاح ما يسند اليها من الأعمال مهما عظم شأنها لا سيما إذا استعدت لذلك بالتربية والتعليم وصادمتهم حقائق كانوا لاهين عنها فعرفوا خطأهم في إبعاد المرأة عن الأعمال العامة وعدم إعدادها لها.
انتهت الحرب وفي أوروبا مشكلة عامة لا تعرف كيف تحلها وهي زيادة عدد النساء على الرجال زيادة عظيمة جعلت زواج كثير من النساء مستحيلًا. فماذا تعمل النساء ولم تعدهن تربيتهن لكثير من الأعمال بل كان مطمح أنظار آبائهن إعدادهن للزواج وليس الزواج بميسور للكثير منهن الآن.
قد يستطيع كثير منهن القيام بكسب القوت ولكنهن قد حرمن ولا شك مما كن يتطلعن إليه أو يتقن به من العيش الرغد الهني متى تزوجن من رجال قد استعدوا بتربيتهم للأعمال الناجحة كالأطباء والمحامين وكبار الموظفين والتجار، فهل تستطيع الفتاة المفردة وهي لم تستعد لمثل تلك الأعمال أن تتمتع بما يتمتع به نساء هؤلاء الرجال الموفقين بتربيتهم للأعمال الرابحة السخية؟
وهل تلام النساء إذا من طمعن فى الزواج وسعين إليه بكل الوسائل حبًّا في الغنى بعد ذلك الفقر الذي ربما لم يتعودنه لأنهن بنات رجال من الأسر المتوسطة قد كانوا زملاء من ذكرت من هؤلاء الرجال وكان المنتظر أن يتزوجن بزملاء آبائهم؟
إن هذه الظروف الحرجة جعلت النساء تتهافت على الرجال. وما عساهن أن يعملن والدين لا يبيح للرجل الزواج بامرأتين. إذن تسعى إحداهن لتخرج غيرها من ذمة رجل وتحل هي محلها مهما كلفها ذلك من غدر أو سفالة ومهما عاد عملها هذا على زميلتها المسكينة وأطفالها الصغار بالهلاك والخراب.
وليس في ذلك البدل ما يحل المشكلة العامة بل لا يزال كثير من النساء عاطلات لا عمل ولا زواج فان انخرطت في سلك الزواج واحدة حلت الزوجة الأولى محلها في صف العاطلات وربما كانت أسوأ من سابقتها حالًا فقد تكون الأولى خالية والثانية مكبلة بأغلال تربية أطفال لا تدرى كيف تعولهم.
ألا يقضى الواجب أمام تلك الحقائق المحزنة أن تربى النساء تربية عامة تؤهلن للقيام بالأعمال لمختلفة التي يستطعن معها اكتساب معيشتهن مع حفظ كرامة أسرهن كل بما يناسب أسرتها والبيئة التي نشأت فيها.
يجب أن يعترف الرجال أمام تلك الحقائق بأن وقائع التاريخ قد ذهبت بنظريات الخيال التي كانت تقول بإعداد المرأة للمنزل فقط وأصبح على كثير من النساء أن يقمن بكسب عيشهن بعمل يتناسب وكرامة أسرهن فأصبح على بنت المحامي أو القاضي أن تستعد لحياة تناسب حياة والدها وهكذا فإن ساعد الحظ وكانت زوجة، لا يمنعها هذا الاستعداد السامي عن القيام بأعمال منزلها وإرضاء زوجها بل ربما كانت بتلك التربية أقرب إلى نفسه منها وقد تربت التربية النسوية الماضية التي كانت في الممالك الشرقية سببًا في عدم اتفاق الزوجين لاختلاف روحيهما اختلافًا كلياً لا تناسب فيه.
حتمت الأديان ما عدا الدين الإسلامي زواج الرجل من زوجة واحدة فقط وحرمت عليهما الطلاق وهي فكرة سامية متى تصورها الخيال ولكنها بعيدة عن طبيعة الرجل الذي خلق عبد الهوى والغرام وهو يري السرور والنعمة في تنقله في غرامه ولذات الهوى في التنقل فهو لا يحفظ لامرأة وفاءًا وربما كان طول عشرته لها سببًا في شدة زهده فيها.
ولقد خاطبت إحدى العربيات زوجها قائلة “أتهجرنى بعد كل ذلك الزمن الطويل؟”، فقال “القد كان ذلك سبب الهجر.”، ففكرة بقاء الرجل مع امرأة واحدة لا يفارقها فكرة لا يستطيع تنفيذها إلا عقلاء القوم وهم قليلون ولهذا كان عدم الطلاق نقمة على كثير من النساء اللاتي اضطر أزواجهن للخضوع لعوامل الهوى فانقادوا لخليلاتهم وتركوا زوجاتهم ظهريًّا فلم تدر هؤلاء الزوجات كيف تتخلصن من حبال هذا الزواج القاسي ولم يبِح لهن الشرع الزواج من غير هؤلاء الأزواج النافرين عنهن ولم يكن أمامهن إلا بابًا واحدًا هو مجاراة أزواجهن فيم فعلوا من الخروج على الكمال والدين.

فانقلبت تلك الفكرة السامية التي قضت بأن يكون الرجال في مسلكهم مع زوجاتهم من فلاسفة الأمم وعقلائهم ورعًا وكمالًا نقمة على الدين والأخلاق ونكبة على الأطفال الذين ضاعوا بين الزوجين النافرين.
لم يقتصر هذا الضعف الأخلاقي على صغار الرجال العاديين بل تعداه إلى عظماء الأمم فاضطر كثير منهم إلى طلب الطلاق وقد طلبه أشهر رجال فرنسا جرأة وإقدامًا وأعنى به نابليون فأجيب إلى طلبه وحاول لويس الرابع عشر[1] طلاق زوجته مرغريت فلم تجبه الكنيسة إلى ذلك وكانت سلطتها إذ ذاك فوق سلطة الملوك فاضطر لويس إلى الخضوع لها وبقيت مرغربت ملكة فرنسا المتوجة رغم إرادته ولكنه مع ذلك لم يستطع مغالبة هواه فقاد خليلته جبرايل[2] إلى القصر الملكي واعترف باولادها رسميًا مع أنها كانت زوجة رجل آخر فكانت هي الملكة الحقيقية وان لم يزين مفرقها التاج.

وقد كان وقع هذا شديدًا على الملكة الشرعية ولو أباح الدين بأن يجمع الرجل بين زوجتين لخفّت وطأة ذلك المصاب على نفس مرغريت البائسة ولكنها تصورت أنها وحيدة في تحمّل ذلك الشفاء فاستسلمت للحزن حتى قضى على حياتها وذهبت ضحية هوى الملك وتقلبه.
أثر موتها في نفوس الناس واعتبروها ضحية خروج الملك على الشرع والقانون فغضبت لذلك الكنيسة وحتمت أن تفارق جبرايل القصر الملكي ففارقته ونزلت من كرسي عرشها السامي إلى مستوى الأفراد فلم تطلق مغالبة همين عظيمين، بعد ملكها المحبوب عنها، وزوال ملكها فأودى بها الحزن في بضعة أسابيع وذهبت المرأتان ضحية بين الشرع والهوى وليست هذه الحوادث هي أشد ما حصل في التاريخ بل أن تاريخ الرجال العاديين ربما كان مملوءًا بما هو أشد فظاعة منها. وكان وقع تلك الحوادث على النساء أشد إيلامًا منه على الرجال.
ويكفي أن يتصور الإنسان رجلًا لعبت بقلبه عوامل الهوى وافتتنت لبه غانية فجعلته لا يطيق النظر إلى زوجته فأصبح يود التخلص منها وأمامه قانون يقضى عليه بالبقاء معها مع كرهه الشديد لها فأخذ يضايقها وسرى هذا البغض من نفسه إلى نفسها فأصبحت تكرهه هي الأخرى، يكفي أن يتصور الانسان معيشة هذين الكارهين ليعرف كيف كان تحريم الطلاق عاملُا شرعيًّا شديد الأثر على النفوس يدفعها إلى ارتكاب الجرائم.
ل هذا اضطرت الكنيسة إلى التساهل في قبول الطلاق فخرج القوم من تلك الأغلال القوية التي كانت تغلّ إرادتهم فأصبحوا والطلاق ممكن متى طلبه أحد الزوجين، وربما تغالوا فيه الآن إلى الحد الممقوت حتى أصبحت المرأة تطلب الطلاق لأن الزوج قال إن كعكها جامد كالحجر أو أنه قال إن اللورد کتشنر كان عاقلًا جدًّا إلى حد أنه لم يتزوج أو أنه تجاسر على التدخين في غرفة نومها وغير ذلك من الأسباب التافهة.

صرح لهم الدين بالطلاق ولم يصرح بتعدد الزوجات فأخذ الرجال يتركون نساءهم ويتزوجون من غيرهن وقد أصبح كثير من الأمهات اللائي لا يهمهن مجون الحب ولا يعرفن عن الرجل إلا أنه صديق لهن يعاونهن في تربية أبنائهن تربية صحيحة عالية. نعم أصبح هؤلاء الأمهات الصالحات يتمنين لو أجاز الدين لأزواجهن الزواج من اثنتين ليتمكّن الرجل من التمتع بمن ذهبت بلبه من النساء مع بقاء زوجته الأولى وأولادها يتمتعون بما كانوا يتمتعون به من لذات العيش ونعيم الحياة.
هاجر كثير من السويديات إلى إنجلترا ولهن حظ وافر من الجمال فكانت هذه الهجرة شرًّا مستطارًا على نساء إنجلترا إذ تركهن الرجال ومالوا إلى هؤلاء الفاتنات مستسلمين لهن بعد أن تركوا نساءهم وأولادهم تحت رحمة الدهر القاسي يفعل بهم ما يريد. فهل كان في صالح الأطفال وعليهم مستقبل البلاد أن يحرموا من عناية الاب وهم في حاجة إليه ولو أن الدين أجاز لهم الزواج من اثنتين لتمتع ضعاف النفوس من الرجال بهواهم دون أن ينكروا على زوجاتهم وأولادهم حق البقاء معهم والتمتع بالعيش تحت ظلالهم فإن ذلك ولا شك أفضل لهؤلاء الزوجات من حرمان أطفالهن من رعاية آبائهم أو بقائهم مع الأب تحت رحمة زوجة قد لا ترحمهم ولا يسرها إلا إهانتهم وضياع مستقبلهم.
ولا ندرى هل تدوم الحال على ما هي عليه الآن أم تعود الكنيسة فتسمح للرجال بالزواج من زوجتين كما سمحت بالطلاق بعد تحريمه؟ إن هذا ما نرجو أن يفسره المستقبل على صفحاته.
[1] خطأ، تقصد هنري الرابع
[2] غابرييل ديستري


سجل معنا للنشرة البريدية
© 2025 جميع الحقوق محفوظة لجبرديات